الكرة المصرية تخسر مباراة الوعي.. التفاصيل الكاملة


- محمد سيف: اتحاد كرة القدم يتحمل المسئولية ولابد من التأهيل والتوجيه
- خالد بيومي: لغة المال وحصد المشاهدات أفسدا كل ما له علاقة بالرياضة
- أيمن بدرة: الشخصية الرياضية الدولية يجب أن تتمتع بمقومات خاصة
- إبراهيم داوود: التحول في حياة النجوم يمكن أن يصيب بعضهم بالجنون
- محمد صلاح حالة نادرة والنشأة المتزنة تحمي من "هوس الشهرة"
- "الأحمر والأبيض" فقرة برامجية ضلت الطريق وسعت وراء المشاهدات
"تكلم حتى أراك" هي مقولة شهيرة للفيلسوف اليوناني سقراط، تشير إلى أن الكلام مرآة للعقل والمعرفة والوعي. الكلمة أوقعت الكثيرون من نجوم كرة القدم، سواء لاعبين أو مدربين أو محللين عبر شاشات الفضائيات، في مرمى النقد اللاذع، وسحبت من رصيدهم الجماهيري، بل وأدخلت بعضهم ساحات القضاء وتسببت في منع آخرون من الظهور الإعلامي، لكن ما يزيد الأمور اشتعالاً، هم هؤلاء الجالسين خلف شاشات "الكمبيوتر" و"الهواتف" من محترفي تصيد الأخطاء وتأجيج التعصب عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
في الآونة الأخيرة ازدادت التصريحات المسيئة وغير الموفقة من نجوم الكرة، ما يدفعنا إلى طرح عدة تساؤلات حول الأسباب! هل ما يحدث مجرد "زلات لسان" تنتهي بالاعتذار، أم تصريحات أسيء فهمها وتحتاج للتوضيح، أم أنه انسياق وراء الجماهير؟ الخبراء والمختصون أكدوا على كل ما سبق، وأكدوا أيضاً أن الكرة المصرية تعيش أزمة وعي.
وإذا كانت مهمة لاعب الكرة هي أن يحافظ على لياقته البدنية والذهنية، ويؤدي ما عليه داخل الملعب ويواجه منافسيه بقوة ومهارة، فإنه عندما يقف أمام كاميرات التلفزيون لابد وأن يكون على قدر كاف من الوعي. كذلك المدرب، إذا تمحورت مهمته حول رسم الخطط الفنية وطرق اللعب، إلا أن تصريحاته في المؤتمرات الصحفية يجب أن تكون محسوبة وبعيدة عن العصبية، خصوصاً بعد أن تحولت منصات "التواصل" إلى ساحات للصراع على يد أشخاص لا يفقهون شيئاً عن الروح الرياضية ويتعمدون إشعال الفتن بين جمهور الكرة.
تصريحات تثير الجدل
قبل أشهر قليلة عاشت الجماهير المصرية أسعد لحظاتها مع حسام حسن مدرب المنتخب الوطني، فقد قدم الفريق تحت قيادته مستوى رائع في بطولة كأس العالم 2026 التي أقيمت في ضيافة ثلاثة دول هي: أمريكا وكندا والمكسيك وتحقق إنجاز لم يحدث من قبل، حيث تخطى المنتخب دور المجموعات لأول مرة في تاريخه وصعد إلى دور الستة عشرة، بخلاف الأداء المبهر وعودة الروح إلى الجماهير، إلا أن "العميد" تعرض للهجوم بسبب تصريحاته التي طالت النجم الأسطوري محمد صلاح المحترف في صفوف طرابزون التركي، ومحمد الشناوي قائد النادي الأهلي ومنتخب مصر وقبلهم مصطفي محمد نجم الزمالك السابق والمحترف في صفوف كونيا سبور التركي.
لا يعقل أن يقع نجم في حجم حسام حسن، أحد أهم المهاجمين في تاريخ مصر، في مثل هذه الأخطاء، فمشواره، لاعباً ومدرباً، يؤكد اكتسابه خبرات كثيرة. هو نفسه يدرك ذلك، لذا تعامل مع الأمر بهدوء وأعاد تفسير تصريحاته وأنه لا يقصد الإساءة لأي لاعب.
خطوط حمراء لا يجب تخطيها
يرى الكاتب الصحفي والناقد الرياضي محمد سيف، أن اتحاد كرة القدم يقع عليه دور كبير في مثل هذه الأمور، وقال إن دور الاتحاد يتمثل في التأهيل والتوجيه، فإنه عند التعاقد مع أي مدرب لابد الأخذ في الاعتبار كيفية تعامله مع وسائل الإعلام، لأن هذا المنصب يختلف تماماً عن منصب المدير الفني لأي نادي، وهناك خطوط حمراء لا يجب تخطيها، لأن المنتخب يمثل الشعب المصري بأكمله.
ويضيف سيف، أن المدرب إذا تعرض لأي سؤال استفزازي أو خارج عن السياق، عليه أن يتحلى بالحكمة والهدوء في ردوده، ومن حقه أيضاً الاعتذار عن عدم الرد بلباقة، والأمر نفسه بالنسبة لأي نجم من نجوم الكرة.
يؤكد محمد سيف، أن هذا الأمر لا علاقة له بالمستوى التعليمي، وهناك الكثيرون من نجوم الكرة في فترة الستينيات والسبعينات كانوا لا يحملون مؤهلات عليا، لكنهم يتمتعون بوعي وثقافة عامة تمكنهم من التعامل مع وسائل الإعلام، وقال إن النشأة والتربية تؤثر في شخصية اللاعب، وليس المقصود هنا الغنى أو الفقر.
واستشهد سيف باللاعب محمد صلاح، واعتبره أنه تفوق على الجميع في العقلية وقال: "مينتالتي صلاح تنتصر" ولفت إلى أن أغنية كأس العالم التي أدتها شاكيرا في افتتاح البطولة حملت اسم اللاعب بين 7 أو 8 نجوم، وهو تمجيد لا يستحقه إلا الكبار، وشدد على ضرورة أن تتعامل الهيئات الإعلامية في مصر مع هذه الأمور بحسم حتى لا تتفاقم الأمور أكثر من ذلك.
"زلات لسان" ومنع من الظهور على الشاشة
وقع الكثيرون من نجوم اللعبة في فخ التصريحات غير الموفقة، واتخذ المجلس الأعلى للإعلام موقفاً حازماً تجاه كافة هذه الممارسات، وقرر منع عدد من المذيعين والضيوف من الظهور على الشاشة في محاولات للسيطرة على هذه الظاهرة التي تسئ للكرة المصرية، بل وللرياضة بصفة عامة.
أوقف المجلس في قرار سابق برنامج "ملعب البلدوزر" الذي يقدمه مجدي عبدالغني، نجم الأهلي ومنتخب مصر السابق والذي شارك في مونديال 1990 بإيطاليا، إضافة إلى منع ظهور ضيفيه، ربيع ياسين، صاحب الخلق الرفيع وأحد نجوم جيل مونديال 1990 أيضاً، وأسامة حسن لمدة شهر، وذلك على خلفية المشادة التي حدثت بينهما في إحدى الحلقات.
أيضاً أوقف المجلس الأعلى للإعلام برنامج "كورة كل يوم" الذي يقدمه كريم حسن شحاتة لمخالفة الأكواد والمعايير الإعلامية، كما مُنع نجم النادي الأهلي أحمد بلال من الظهور لمدة 3 أسابيع للسبب نفسه.
الخروج من المشهد
يؤكد المحلل الكروي، خالد بيومي على إننا لن نعود كما كنا سابقاً بعد أن تحولت كرة القدم إلى صراخ وصراع بين اللجان الإلكترونية، فضلاً عن سيطرة لغة المال على كل شيء، سواء الأندية أو الإعلام أو حتى اللاعبين، واللهث وراء تحقيق "التريند".
ويضيف أن الروح الرياضية واللباقة لن تعود كما كنا في السابق، وذلك لأننا افتقدنا وجود الرموز من إعلامين يتمتعون بالمهنية والثقافة، خصوصاً في المجال الذي نعشقه وهو كره القدم.
وشدد بيومي على إن بلد بحجم مصر لديها من يقدر على إعادة ترتيب منظومة كرة القدم عبر نظم ولوائح وقوانين وآليات لابد أن تسري علي الجميع، هنا يقصد اتحاد الكرة ورابطة الأندية وتحتاج من الجميع تقبل النقد في نطاق مشروع ومحترم، والأهم أنها تحتاج إلى إعادة تقييم لكل عناصر اللعبة بعيدا عن ساحات التعصب الأعمى.
"الأحمر والأبيض" فقرة ضلت الطريق
سيبقى صراع الأهلي والزمالك جزء من متعة كرة القدم، سواء على المستوى الجماهيري أو الإعلامي، وهو ما دفع بعض الإعلاميين إلى استغلال هذه الحالة وتخصيص فقرة في أغلب البرامج الرياضية، وفيها يحل ضيفان أحدهما ينتمي إلى النادي الأهلي والآخر للزمالك. جميل جداً لو أفردت البرامج مساحات لكشف كواليس الناديين خصوصاً قبل مبارايتهما معاً، لكن تبدّل الحال وضلت الفكرة طريقها الصحيح، عندما عمد كل ضيف السخرية من الآخر، ودخلوا في سباق حامي حول من منهم ينجح في أن "يخلص على غريمه" أولاً، وكأنها مباراة في الملاكمة تحتاج نهايتها إلى الضربة القاضية.
الفقرة نالت اعجاب ملايين الجماهير، خصوصاً رواد مواقع التواصل، ليس لأنها تأتي بأخبار جديدة، بل لأنهم وجدوا فيها مادة مثيرة للسخرية والتطاول، وقام البعض باقتطاع فقرات بعينها متبوعة بتصريحات نارية بعيدة تماماً عن الروح الرياضية، ونشرها على نطاق واسع عبر "المنصات"، وحازت هذه المقاطع الآلاف من علامات الإعجاب والتعليقات، وتعاملت غالبية الجماهير مع ضيوف الفضائيات، على أنهم أبطال.
هنا، يؤكد الكاتب الصحفي، أيمن بدرة، عضو لجنة ضبط أداء الإعلام الرياضي، أن نجوم كرة القدم يجب أن تكون لديهم الثقافة والقدرة على أن يكونوا شخصيات عامة، لافتاً إلى أن الشخصية الرياضية الدولية لها مقومات من حيث الاطلاع والقدرة على التعامل مع وسائل الإعلام والمنافسين وأمور كثيرة.
وأضاف: "أذكر أن الدكتور علي الدين هلال عندما كان وزيراً للشباب والرياضة، اقترح عمل دورات تدريبية للاعبي منتخبات الناشئين والشباب في اللغات وفي إدارة أمورهم حياتهم، فكرة أشبه بمدير الأعمال حالياً، لتأهيلهم للتعامل مع المتغيرات، بالتالي نحن نفتقد في مصر إلى مثل هذه المقومات".
وأكد على ضرورة الارتقاء بشخصية اللاعبين من قطاعات الناشئين وتأهيلهم في كيفية التعامل مع الأندية والإعلام خصوصاً، خصوصاً وأننا تابعنا السقطات الإعلامية لنجوم كثيرين في الفترة الأخيرة وأدت إلى الدخول في صدامات، ما ينعكس على مكانتهم وشعبيتهم، وقال بدرة إننا نحتاج إلى بناء شخصيات، وإن الدولة المصرية متمثلة في وزارة الشباب أو اتحاد الكورة، إذا كان لديه اهتمام بهذا الأمر، يستطيعون صناعة الشخصية الرياضية المتكاملة، كي يكون عندنا نجوم وكوادر يمكنها العطاء بعد الاعتزال .
"فخ" عقلية المشجع
يعود إخفاق أغلب لاعبي كرة القدم في مصر في تصريحاتهم الإعلامية إلى غياب التأهيل الإعلامي الاحترافي والاعتماد على العفوية في بيئة شديدة التنافس والضغط الجماهيري، إضافة إلى الوقوع في فخ "عقلية المشجع" .
هنا لابد من التثقيف الإعلامي، فاللاعب المثقف لا يعني أنه من يقرأ كثيراً فقط، بل لابد أن يكون قادراً على تحمل المسؤولية داخل الملعب وخارجه، وكيف يتغلب على أية مواقف يواجهها طيلة حياته، برغم ذلك، يتهم البعض نجوم الكرة بضحالة الثقافة وأنهم لا يطلعون على الأحداث العامة التي تزودهم ولو بقليل من المعرفة.
لكن على عكس كل ما سبق، جاءت تصريحات الكاتب الصحفي والشاعر، إبراهيم داوود، وقال: "المطلوب من لاعب الكرة هو اللعب فقط" ولفت إلى أن ليس كل اللاعبين لابد أن تكون لديهم الثقافة العامة .
وأضاف أن بعض نجوم الكرة يتورطون في الإدلاء بتصريحات صحفية غير موفقة، وشدد قائلا: "مش مسؤوليتي إني أحاكمه" وذلك لأن نجم الكرة حدث تحولاً كبيراً في حياته الشخصية وأثر ذلك بصورة واضحة على تصرفاته، فهو بين يوم وليلة أصبح يسكن في أرقى البيوت ويمتلك أفخم السيارات، إضافة إلى الشعبية الجماهيرية الجارفة، وهي الأشياء التي وصفها "داوود" بأنها "تجنن أي حد".
ورفض التعميم على كل نجوم الكرة، معتبراً أن محمد صلاح، مثلاً، حالة نادرة في هذا الشأن، إضافة إلى لاعبين آخرين يتمتعون بعقليات متزنة منهم حازم إمام ومحمد فضل وغيرهم.






















