الأربعاء، 16 سبتمبر 2026 04:53 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

الفن والثقافة

من سيد درويش إلى عمر خيرت.. موسيقيون صنعوا نقلات في تاريخ الموسيقى المصرية

بوابة المصريين

بمناسبة الاحتفال باليوم المصري للموسيقى، الذي يوافق 15 سبتمبر من كل عام بالتزامن مع ذكرى رحيل فنان الشعب سيد درويش، تستعيد الموسيقى المصرية أسماء بارزة لم يكن تأثيرها قاصرًا على تقديم ألحان ناجحة، وإنما امتد إلى تغيير شكل الأغنية والموسيقى، وفتح مسارات جديدة أمام الأجيال التي جاءت بعدها.

وعلى مدار أكثر من قرن، مرت الموسيقى المصرية بتحولات متتالية، كان وراءها موسيقيون وملحنون امتلكوا القدرة على التجديد، سواء من خلال إعادة صياغة التراث، أو الاستفادة من الموسيقى الغربية، أو تطوير الأغنية الشعبية، أو نقل الموسيقى إلى السينما والتأليف الموسيقي المستقل.

كمال الطويل


سيد درويش.. نقطة التحول الكبرى

يظل سيد درويش أحد أهم الأسماء المرتبطة بفكرة التحول في الموسيقى المصرية. فقد خرج بالموسيقى من القوالب التقليدية، واقترب بها من الحياة اليومية والشارع المصري، لتصبح الأغنية أكثر قدرة على التعبير عن المجتمع وتفاصيله.

ولم يكن تجديده مجرد تطوير في الجملة اللحنية، وإنما شمل أيضًا موضوعات الأغاني وطريقة التعبير عنها، وهو ما جعله أحد أهم المؤسسين للموسيقى المصرية الحديثة في القرن العشرين.

وأصبحت ألحانه، وعلى رأسها «بلادي بلادي»، جزءًا من الذاكرة الوطنية المصرية، بينما ظل تأثيره حاضرًا في تجارب أجيال متعاقبة من الموسيقيين.

بليغ حمدي


محمد القصبجي.. التجديد من داخل التخت الشرقي


جاء محمد القصبجي ليواصل رحلة التجديد، لكن من داخل بنية الموسيقى نفسها.

أسهم القصبجي في تطوير أشكال الغناء التقليدي، مثل الدور والطقطوقة، كما اهتم بالموسيقى الآلية والتخت الشرقي، وكان من الموسيقيين الذين سعوا إلى توسيع إمكانات الفرقة الموسيقية.

كما أدخل آلات غربية إلى التخت، وقدم مع أم كلثوم مجموعة من الألحان التي كشفت عن قدرته على الجمع بين الأصالة والتجديد، ليصبح أحد أهم أعمدة الموسيقى المصرية في النصف الأول من القرن العشرين.

عمر خيرت


محمد عبد الوهاب.. فتح الباب أمام التأثيرات الغربية


يمثل محمد عبد الوهاب مرحلة أخرى من مراحل التجديد، إذ وسع حدود الموسيقى المصرية من خلال الاستفادة من الموسيقى الغربية وإدخال آلات وأساليب جديدة إلى الأغنية العربية.

ولم يتوقف تأثيره عند استخدام الآلات، وإنما امتد إلى التوزيع وبناء الجملة اللحنية وشكل الفرقة المصاحبة للمطرب، وهو ما ساعد على الانتقال تدريجيًا من النموذج التقليدي للتخت إلى مساحات أكثر اتساعًا في التوزيع الموسيقي.

وكان لقاؤه الفني مع أم كلثوم في «أنت عمري» عام 1964 أحد أبرز الأحداث الموسيقية في تاريخ الأغنية المصرية، وجاء ثمرة لتجربة طويلة من التجديد خاضها عبد الوهاب على مدار مسيرته.

راجح داوود

رياض السنباطي.. تطوير المدرسة الشرقية


أما رياض السنباطي فاختار طريقًا مختلفًا نسبيًا؛ إذ استطاع أن يطور إمكانات الموسيقى الشرقية من داخلها، محافظًا على مكانة المقام واللحن العربي، مع منحهما مساحات واسعة من التعبير.

ارتبط اسمه خصوصًا بالقصيدة والأغنية الطربية، وكان تعاونه مع أم كلثوم من أبرز التجارب التي حافظت على تقاليد الطرب العربي، مع تطوير البناء اللحني ومنحه عمقًا ومساحات موسيقية واسعة.

وبذلك أصبح السنباطي نموذجًا للموسيقي الذي استطاع أن يجدد دون أن يتخلى عن جذور المدرسة الشرقية.

سيد درويش

محمد فوزي.. حداثة سبقت عصرها

يمثل محمد فوزي واحدة من أكثر التجارب اختلافًا وتأثيرًا في تاريخ الموسيقى المصرية، فهو لم يكن مجرد مطرب وملحن، وإنما كان صاحب رؤية متقدمة في التعامل مع الأغنية وصناعة الموسيقى.

تميز فوزي بخفة ألحانه ومرونتها وقدرته على تقديم أشكال متنوعة من الأغنية، من العاطفية إلى الشعبية والوطنية، مع الاعتماد على إيقاعات وأفكار موسيقية اتسمت بالحيوية والبساطة والقدرة على الوصول إلى الجمهور.

وكانت إحدى أهم نقلاته أنه تعامل مع الموسيقى باعتبارها صناعة متكاملة، فلم يكتفِ بالتلحين والغناء، وإنما أسس شركة «مصر فون» عام 1958، التي أصبحت تجربة مهمة في مجال تسجيل وإنتاج وتوزيع الموسيقى في مصر.

كما قدم فوزي ألحانًا وأعمالًا تركت أثرًا واسعًا في الوجدان المصري والعربي، وظلت تجربته مثالًا على موسيقي استطاع أن يجمع بين الانتشار الجماهيري والجرأة في التجريب.

القصبجي


محمد الموجي.. صوت جيل جديد

مع الخمسينيات والستينيات ظهرت موجة جديدة من التجديد ارتبطت بأسماء مثل محمد الموجي، الذي أصبح واحدًا من أبرز ملحني جيله.

ارتبط الموجي بأصوات كبيرة، في مقدمتها أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وشادية ونجاة ووردة، وقدم ألحانًا ساعدت على تغيير شكل الأغنية المصرية، خصوصًا مع ظهور جمل لحنية أكثر رشاقة وقربًا من روح العصر.

وكان الموجي جزءًا من جيل استطاع أن يوازن بين خصوصية الموسيقى الشرقية ومتطلبات الأغنية الحديثة.

محمد عبد الوهاب

كمال الطويل.. الأغنية التي عبرت عن زمنها


كانت تجربة كمال الطويل مرتبطة بصورة وثيقة بالأغنية المصرية الحديثة، خصوصًا من خلال تعاونه مع عبد الحليم حافظ.

قدم الطويل عددًا كبيرًا من الأغنيات العاطفية والوطنية، واستطاع أن يجعل اللحن جزءًا من التعبير عن اللحظة الاجتماعية والسياسية، لتصبح بعض أعماله مرتبطة بأحداث وذكريات راسخة في تاريخ مصر.

ومن هنا جاءت أهميته باعتباره أحد الملحنين الذين جعلوا الأغنية قادرة على تسجيل روح عصرها، وليس مجرد تقديم حالة عاطفية منفصلة عن المجتمع.

رياض السنباطي


بليغ حمدي.. إيقاع الشارع يصل إلى الأغنية


يمثل بليغ حمدي واحدة من أكثر التجارب تأثيرًا في الأغنية المصرية خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

استطاع بليغ أن يستفيد من الموسيقى والإيقاعات الشعبية المصرية ويعيد تقديمها في ألحان حديثة تناسب أصوات كبار المطربين، ومن بينهم أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وشادية ووردة.

وكانت قدرته على الجمع بين روح الشارع المصري والبناء الموسيقي الحديث من أبرز أسباب استمرار تأثيره، حتى أصبحت ألحانه نموذجًا مهمًا في تطور الأغنية المصرية.

محمد فوزي

عمر خيرت.. الموسيقى خارج قالب الأغنية

مع عمر خيرت انتقلت تجربة التجديد إلى مساحة مختلفة، هي التأليف الموسيقي والموسيقى التصويرية.

استطاع خيرت أن يجعل المقطوعة الموسيقية حاضرة في الذاكرة الجماهيرية المصرية من دون الحاجة إلى صوت مطرب أو كلمات، كما قدم للموسيقى التصويرية مكانة خاصة من خلال أعماله للسينما والدراما.

وتميزت تجربته بالجمع بين عناصر من الموسيقى الشرقية والتقنيات والتكوينات الأوركسترالية الحديثة، ليصبح واحدًا من أبرز الأسماء التي دفعت الموسيقى المصرية نحو جمهور أوسع خارج قالب الأغنية التقليدية.

محمد الموجي

راجح داوود.. الموسيقى شريك في صناعة الصورة


وفي مجال الموسيقى التصويرية والتأليف الموسيقي، تمثل تجربة راجح داوود مرحلة مهمة من مراحل تطور الموسيقى المصرية.

ارتبط اسمه بعدد كبير من الأفلام، وخصوصًا أعمال المخرج داوود عبد السيد، حيث لم تكن الموسيقى مجرد خلفية للمشهد، وإنما أصبحت عنصرًا أساسيًا في بناء الحالة النفسية والشخصيات والعالم البصري للفيلم.

وتكشف تجربته عن تطور مفهوم الموسيقى التصويرية في السينما المصرية، وتحولها إلى لغة مستقلة تشارك الصورة في سرد الحكاية.


موسيقى مصرية تتغير ولا تفقد هويتها


من سيد درويش إلى القصبجي وعبد الوهاب والسنباطي، ثم محمد فوزي والموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي، وصولًا إلى عمر خيرت وراجح داوود، تكشف رحلة الموسيقى المصرية عن حقيقة أساسية، وهي أن التجديد لم يكن يومًا نقيضًا للهوية المصرية، وإنما كان إحدى الوسائل التي حافظت بها الموسيقى على حضورها وقدرتها على التعبير عن كل عصر.

فكل جيل من هؤلاء الموسيقيين واجه سؤالًا مختلفًا: كيف يمكن تطوير اللغة الموسيقية من دون فقدان جذورها؟ وكيف يمكن استيعاب التأثيرات الجديدة دون أن تتحول الموسيقى المصرية إلى نسخة من موسيقى أخرى؟

وجاءت الإجابة في كل مرة من خلال تجارب موسيقية مختلفة، تركت وراءها ألحانًا وأعمالًا تجاوزت زمن أصحابها، وأصبحت جزءًا من الذاكرة المصرية والعربية.

وفي الاحتفال بـاليوم المصري للموسيقى، تبدو استعادة هذه الأسماء أكثر من مجرد احتفاء بموسيقيين كبار؛ فهي تذكير بأن الموسيقى المصرية لم تكن مجرد متلقٍ للتغيير، وإنما كانت في مراحل كثيرة صانعة له، وقادرة على التجدد مع الحفاظ على هويتها.

الفن والثقافة

آخر الأخبار