أزمة تتشكل في صمت.. انحسار الغاز العائم يضع العالم أمام شبح نقص الإمدادات


تشهد خارطة تدفقات الغاز الطبيعي المسال (LNG) تحولاً دراماتيكياً ومقلقاً في آنٍ واحد، فبينما تراقب الأسواق العالمية مستويات الطلب وكيفية تلبيتها، ترسل لغة الأرقام الصادرة من ممرات الملاحة الدولية إشارة إنذار مقلقة تتعلق بـ"أمن الإمدادات" من المنبع.
وبحسب المهندس وائل حامد عبد المعطي خبير أسواق الغاز بمنظمة اوابك، فإن الرصد الدقيق لحركة الناقلات في المياه يكشف عن فجوة لوجستية بدأت تتسع، الأمر الذي سيضع الأسواق أمام اختبار حقيقي في القريب العاجل، حيث تعكس البيانات تحولاً حاداً في حصة وحجم لشحنات المحملة من منطقة الخليج العربي من إجمالي الشحنات المارة في عرض البحر أو ما تعرف بشحنات الغاز الطبيعي المسال في البحر.
وأوضح أنه مع اندلاع الشرارة الأولى للأزمة الحالية، كانت حصة الغاز المحمل من موانئ المنطقة تمثل نحو 23% من إجمالي الكميات العابرة للمحيطات والمتجهة إلى موانئ الاستيراد في أوروبا وآسيا، بإجمالي 4.2 مليون طن من أصل 18.2 مليون طن كانت محملة على السفن. وهي النسبة التي تتماشى عموماً مع حصة منطقة الخليج العربي من التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال.
إلا أن مع مرور الوقت، ونتيجة تصاعد حدة الاضطرابات في المنطقة، وقرارات لوقف الإنتاج في دولة قطر، وتقييد حركة مرور الناقلات في مضيق هرمز، بدأت هذه الحصة في الانكماش لتصل إلى 17% يوم 10 مارس ثم لتصل إلى 12% فقط في 16 مارس أي بعد أكثر من أسبوعين منذ انطلاق الحرب. هذا الهبوط الحاد ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو "صدمة عرض" صامتة. إذ يعكس عجزاً في تعويض الشحنات التي تصل إلى وجهاتها النهائية بكميات جديدة يتم تحميلها من الموانئ الخليجية، الأمر الذي أدى إلى تآكل المخزون العائم الذي يغذي الأسواق العالمية.
وأشار إلى أن التحدي الأكبر للأسواق المستوردة لا يكمن فيما مضى، بل فيما سيحدث في الأيام القليلة القادمة. فبوصول الشحنات المتبقية حالياً المحملة سابقاً من موانئ منطقة الخليج(والتي تبلغ نحو 2 مليون طن) إلى مرافئ الاستيراد، ستدخل الأسواق في حالة من "الفراغ اللوجستي"، فالكمية الحالية تمثل نفسها انخفاضاً بأكثر من 50% عن الكميات التي كانت في طريقها مع انطلاق الحرب.
هذا السيناريو يشير بوضوح إلى أن الأسواق العالمية ستبدأ قريباً في الشعور بـ شح ملموس في الإمدادات القادمة من المنبع، فانقطاع سلسلة التوريد من المصدر أو تباطؤ وتيرة التحميل سيعني بالضرورة أن محطات الاستيراد، خاصة في آسيا وأوروبا، ستواجه عجزاً في تغذيتها المعتادة، مما سيضع ضغوطاً تصاعدية على منحنى الأسعار الفورية ويدفع الدول المستوردة إلى رحلة بحث مكلفة عن بدائل بعيدة المدى لسد هذه الفجوة.
وقال المهندس وائل حامد، إن انخفاض زخم الشحنات من منطقة الخليج في المياه هو "الناقوس" الذي يدق الآن في أروقة صناعة الطاقة.
نحن لا نتحدث عن تأخر في وصول السفن فحسب، بل عن تقلص حقيقي في تدفق الوقود الاستراتيجي من منابعه الرئيسية. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن مفهوم "أمن الطاقة" سيواجه تحدياً حقيقياً، حيث ستنتقل الأزمة من خانة "الاضطرابات اللوجستية" إلى خانة "تراجع المعروض الحقيقي".
























