الإثنين، 25 مايو 2026 11:36 مـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

أخبار عربية

كيف يواجه المغرب معاركه الدبلوماسية؟

الملك محمد السادس
الملك محمد السادس

منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، اختار المغرب أسلوبا مختلفا في إدارة معاركه الإقليمية والدولية، قائما على الدبلوماسية الهادئة، والعمل التراكمي، وبناء عناصر القوة الاقتصادية والاستراتيجية بدل الدخول في صدامات مباشرة، هذا النهج جعل من المملكة فاعلًا إقليميا يحصن مصالحه بهدوء ونجاعة.

المغرب والدبلوماسية الهادئة
لا تقوم الدبلوماسية المغربية اليوم على ردود الأفعال، بل على استباق الأحداث وبناء التوازنات، فمن قضية الصحراء المغربية إلى الشراكات الدولية، نجح المغرب في تحويل الملفات المعقدة إلى أوراق قوة، مستندا إلى شرعية تاريخية، وواقعية سياسية، ومصداقية دولية متنامية.

ملف الصحراء المغربية...النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم
في ملف الصحراء المغربية، واصل المغرب طوال السنوات الماضية مرافعات قوية ومنتظمة لصالح مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلا واقعيا وجادا للنزاع، ومع مرور السنوات، نجحت هذه المقاربة في كسب دعم دول وازنة وفتح قنصليات في الأقاليم الجنوبية، ما عزز الموقف المغربي داخل المؤسسات الدولية.
بعد ثمانية عشر عاماً على تقديم المغرب لمبادرة الحكم الذاتي إلى مجلس الأمن كحل لإنهاء النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، جاء القرار 2797 الصادر بتاريخ 31 أكتوبر 2025 ليمنح المبادرة زخماً غير مسبوق، بعدما اعتمدها مجلس الأمن، بأغلبية مريحة، كأساس وحيد للتفاوض من أجل التوصل إلى حل نهائي لهذا الخلاف.
وجاء التفاعل المغربي سريعاً عقب اعتماد القرار، إذ وجّه الملك محمد السادس خطاباً إلى الأمة مباشرة بعد جلسة التصويت، وصف فيه القرار بأنه “مرحلة مفصلية ونقطة تحول حاسمة في تاريخ المغرب الحديث”، معتبراً أن التطور الجديد يعكس تنامي الدعم الدولي لموقف المملكة.
وأعرب العاهل المغربي عن تقديره للدول التي دعمت مبادرة الحكم الذاتي، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والمملكة المتحدة وإسبانيا، مؤكداً أن مواقف هذه الدول ساهمت في إحداث هذا التحول الدبلوماسي.
كما وجّه الملك محمد السادس دعوة إلى سكان مخيمات تندوف للانخراط في هذه المرحلة الجديدة والعودة إلى وطنهم للمشاركة في مسار التنمية الوطنية ضمن إطار الحكم الذاتي، مشدداً على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين.
وفي السياق ذاته، دعا العاهل المغربي الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى فتح حوار "صادق ومسؤول" لتجاوز الخلافات الثنائية وإحياء مشروع الاتحاد المغاربي على أسس الاحترام المتبادل والتعاون والتكامل الإقليمي.
ويرى مراقبون أن القرار 2797 يحمل أبعاداً تاريخية، أبرزها تكريس مبادرة الحكم الذاتي كمرجعية حصرية للحل السياسي، بما يعني عملياً استبعاد خيار الاستقلال من مسار التسوية، وحصر المفاوضات المقبلة في تحديد طبيعة وصلاحيات الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
كما يمثل القرار قطيعة واضحة مع الصياغات السابقة لقرارات مجلس الأمن، سواء من حيث لغته المختصرة أو من خلال دعمه الصريح والحصري للمبادرة المغربية، وهو ما يمنح جهود الأمم المتحدة زخماً جديداً نحو تسوية نهائية لنزاع استمر لعقود.
ويُنظر إلى القرار أيضاً باعتباره نقطة تحول في طريقة تعاطي الأمم المتحدة مع الملف، مع توقعات بتسريع وتيرة المفاوضات السياسية تحت رعايتها، وصولاً إلى حل نهائي قائم على الحكم الذاتي في إطار سيادة المملكة المغربية.

العودة إلى الإتحاد الإفريقي
شكلت عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي محطة مفصلية في استعادة العمق القاري للمملكة، فبدل سياسة الغياب، اختارت الرباط الاشتغال من داخل المؤسسة الإفريقية، مدافعة عن مصالحها، ومبنية شراكات اقتصادية وتنموية جعلت من المغرب أحد أبرز المستثمرين في القارة.
أكد تقرير أمريكي تناول مختلف جوانب السياسات المغربية، أن الحضور المغربي في القارة الإفريقية عرف تطوراً لافتاً منذ عودة الاتحاد الإفريقي، حيث اعتمدت المملكة استراتيجية تقوم على توسيع نفوذها الدبلوماسي والاقتصادي والديني داخل دول إفريقيا جنوب الصحراء، عبر تعزيز الشراكات وبناء علاقات تعاون طويلة الأمد.
وأوضح التقرير أن الملك محمد السادس قاد خلال السنوات الماضية جولات رسمية شملت أكثر من 30 دولة إفريقية، وأسفرت عن توقيع اتفاقيات تعاون متعددة في مجالات الاستثمار والتجارة والبنية التحتية والزراعة والتكوين الديني، ما عزز مكانة المغرب كفاعل اقتصادي ودبلوماسي بارز في القارة.
في الشق الاقتصادي، أبرز التقرير اتساع حضور الشركات المغربية داخل الأسواق الإفريقية، خاصة في قطاعات البنوك والاتصالات وصناعة الأسمدة، حيث تمكنت مؤسسات مغربية من ترسيخ وجودها في عدد من بلدان غرب ووسط إفريقيا.
كما لفت التقرير إلى أن اتصالات المغرب تدير فروعا في عدة دول إفريقية من بينها موريتانيا ومالي والغابون وبوركينا فاسو، فيما عززت مجموعة OCP حضورها بالقارة عبر مشاريع وشراكات تهدف إلى دعم القطاع الزراعي وتوفير الأسمدة والخبرة التقنية لتحسين الإنتاج في عدد من الدول الإفريقية.

الاستخبارات المغربية... منظومة أمنية متطورة تعزز السيادة والاستقرار

تعتبر أجهزة الاستخبارات المغربية واحدة من أكثر المنظومات الأمنية فاعلية في المنطقة، بفضل اعتمادها على العمل الاستباقي والتحديث المستمر لآليات الرصد والتحليل، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي في مواجهة التهديدات التقليدية والحديثة، وقد ساهمت هذه المقاربة في دعم الاستقرار الداخلي وتعزيز قدرة المملكة على التصدي للإرهاب والجريمة المنظمة والتهديدات العابرة للحدود، مع الحفاظ على التوازن بين الفعالية الأمنية واحترام الإطار القانوني والمؤسساتي.

وشهدت المنظومة الاستخباراتية المغربية خلال السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا على مستوى الهيكلة والتقنيات الحديثة، خاصة في مجالات الأمن السيبراني وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، ما عزز جاهزيتها لمواجهة التحديات الجديدة المرتبطة بالحروب المعلوماتية والهجمات الإلكترونية، كما يواصل المغرب توسيع شراكاته الأمنية الدولية وتطوير قدراته البشرية والتقنية، في إطار استراتيجية شاملة تهدف إلى حماية الأمن الوطني وترسيخ السيادة والاستقرار الإقليمي.

المبادرة الأطلسية / رؤية جنوب جنوب:
وفي إطار رؤية جنوب - جنوب، أطلق المغرب مبادرات استراتيجية أبرزها التوجه الأطلسي، الذي يهدف إلى ربط دول الساحل الإفريقي بالمحيط الأطلسي عبر البنية التحتية والموانئ، بما يعزّز الاندماج الاقتصادي الإقليمي ويمنح المملكة دورا محوريا في التجارة العابرة للقارات.
أما عن مبادرة الأطلسي، فهي تهدف إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، تجسيدا لرؤية مغربية مبتكرة، تربط الأمن بالتنمية، والجغرافيا بالاقتصاد، وتؤكد أن المغرب يفكر بمنطق المنطقة لا الدولة فقط.

الطاقة والربط القاري... أنبوب الغاز نموذجا

مشروع أنبوب الغاز الإفريقي–الأوروبي عبر المغرب ليس مجرد مشروع طاقي، بل مشروع جيوسياسي بامتياز، يجسد بشكل واضح الطموح الاستراتيجي للمغرب داخل القارة الإفريقية، كما يرسخ موقع المغرب كحلقة وصل استراتيجية بين إفريقيا وأوروبا، ويكرس منطق الشراكة الرابح–رابح، سيمتد على مسافة تقارب 6900 كيلومتر عبر مسار يجمع بين البحر واليابسة، انطلاقا من نيجيريا وصولا إلى المغرب مرورا بعدد من دول غرب إفريقيا.
من المرتقب أن يتم توقيع الاتفاقية الحكومية الدولية الخاصة بمشروع خط الغاز المغربي-النيجيري خلال عام 2026، وعقب توقيع الاتفاقية، سيتم إحداث هيئة عليا لخط الأنابيب في نيجيريا تضم ممثلين وزاريين عن الدول الثلاث عشرة، بهدف ضمان التنسيق السياسي والتنظيمي، إلى جانب إنشاء شركة مشروع مقرها المغرب لتولي مراحل التنفيذ والتمويل والبناء.

راهن المغرب مبكرا على الطاقات المتجددة، مستثمرا في مشاريع كبرى للطاقة الشمسية والريحية، أبرزها مجمع نور، ما مكّنه من تعزيز أمنه الطاقي وتقليص التبعية للخارج، إلى جانب التموقع في مشاريع الهيدروجين الأخضر مستقبلًا.

اليوم، يشهد قطاع الطاقة المتجددة في المغرب نمواً متسارعاً منذ عام 2021، في إطار استراتيجية وطنية تهدف إلى رفع مساهمة الطاقات النظيفة في إنتاج الكهرباء إلى 52% بحلول عام 2030.

ووفق تقرير حديث اطلعت عليه وحدة أبحاث الطاقة، من المتوقع أن تتمكن مشاريع الطاقة المتجددة من تغطية كامل الزيادة المنتظرة في الطلب على الكهرباء بالمغرب، والتي تُقدَّر بنحو 2.8% سنوياً حتى عام 2030.

كما أشار التقرير إلى أن إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة سجل ارتفاعاً بنسبة 6.5% خلال عام 2025، لترتفع مساهمتها في مزيج الكهرباء الوطني إلى نحو 26%، ما يعكس تسارع وتيرة التحول الطاقي الذي تشهده المملكة.

الموانئ المغربية...أهم ركائز الاقتصاد الوطني
وشكلت الموانئ ركيزة أساسية في هذه الاستراتيجية، حيث يعد ميناء طنجة المتوسط أكبر الموانئ في افريقيا، ومن بين الأكبر عالميا في مجال شحن الحاويات، يشكل منصة لوجيستية دولية تربط أكثر من 180 ميناء حول العالم.
أما ميناء الدارالبيضاء، فهو القلب التجاري التاريخي للمغرب، حيث يستقبل الجزء الأكبر من النشاط التجاري والصناعي، ويعد من أقدم وأهم الموانئ في البلاد
بينما تحبس أسواق الطاقة أنفاسها مع كل تصعيد عند مضيق هرمز، تظهر خريطة بديلة ومستقرة بعيدا عن مناطق التوتر التقليدية، ميناء الناظور، وجهة آمنة ورهان استباقي لكبار المنتجين والمستهلكين، لتأمين إمدادات النفط والغاز العالمية، صمم ليكون مركزا عالميا للهيدروكربونات.


المغرب يصنع سيارتين كل دقيقة
نجح المغرب في بناء منظومة صناعية متطورة مكّنته من تصدر قائمة أكبر مصنّعي السيارات في إفريقيا، بطاقة إنتاجية تتجاوز مليون سيارة سنوياً، مدعوماً باستثمارات ضخمة من شركات عالمية مثل Renault وStellantis، إلى جانب مئات الشركات الموردة المرتبطة بسلسلة صناعة السيارات.
وأوضح التقرير أن صادرات السيارات ومكوناتها أصبحت تمثل نحو ربع إجمالي صادرات المملكة، متجاوزة صادرات الفوسفاط، في مؤشر يعكس التحول الهيكلي الذي عرفه الاقتصاد المغربي خلال السنوات الأخيرة.
وفي السياق ذاته، سجل قطاع الصناعات الجوية بالمغرب تطوراً ملحوظاً، حيث تحتضن المملكة أكثر من 140 شركة متخصصة في تصنيع أجزاء الطائرات والمعدات المرتبطة بالطيران، من بينها شركات دولية كبرى، ما يعزز موقع المغرب كمركز صناعي إقليمي في مجالي السيارات والطيران.

الأمن المائي...السدود المغربية
أما على مستوى الأمن المائي، فقد جعلت المملكة من بناء السدود خيارا استراتيجيا لمواجهة ندرة المياه والتغيرات المناخية، يتوفر المغرب على عدد كبير من السدود المهمة أبرزها "سد الوحدة" والذي يعتبر أكبر سد في المغرب وثاني أكبر سد في افريقيا، "سد المسيرة"، "سد بين الويدان"، "سد وادي المخازن"...، وآخرها "سد كرو" الذي يصنف كخامس أكبر سد في المملكة المغربية، وقد وصلت نسبة تقدم الأشغال فيه إلى 70%، بفضل اعتماد نظام مكثف يمتد على مدار الساعة.
وبذلك جعلت المملكة المغربية من السدود المغربية، جزءا من سياسة استباقية تهدف إلى تأمين التزويد بالماء الصالح للشرب، ودعم الفلاحة، والحد من آثار الجفاف والفيضانات.

المغرب يواجه التحديات والمؤامرات بقوة التعايش السلمي ووحدة مكوناته
استطاع المغرب على مر العصور أن يكون نسيجا متكاملا ومنسجما بين المسلمين واليهود والمسيحيين، فهو اليوم يعد نموذجا فريدا للتعايش السلمي لأنه جمع بين التنوع الديني والثقافي وأصبح منارة الإسلام المنفتح، المعتدل والمتسامح.
التسامح وقبول الاختلاف في المغرب ليست مجرد شعارات، بل هو واقع يظهر في الحياة اليومية، فاليهود المغاربة عاشوا جنبا إلى جنب مع المسلمين لقرون طويلة، كما أن وجود الكنائس المسيحية في المدن الكبرى دليل على انفتاح المجتمع المغربي، هذا التعايش الذي يشكل جزءا من التراث الوطني هو مصدر قوة واستقرار البلاد، يساهم في إثراء المجتمع كما أنه يجسد مبادئ التسامح التي تدعو إليها الأديان السماوية.
كان للمؤسسة الملكية دور محوري في تعزيز قيم التعايش والتسامح، فالملك محمد السادس ليس فقط قائدا سياسيا، بل أيضا راعيا لهذه القيم، له رؤية حضارية ساهمت في تحويل البلاد إلى نموذج عالمي للتعايش الديني والثقافي من خلال مؤسسات ومبادرات عديدة، فقد أسس جلالته معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات ليكون مركزا لنشر الوسطية والاعتدال، كما قام برعاية عدد من المؤتمرات آخرهم المؤتمر الدولي حول موضوع “الوئام بين أتباع الديانات: تعزيز التعايش السلمي”، الذي عقد بهدف إذكاء الوعي بأهمية التسامح والحوار بين الأديان والثقافات لتعزيز التعايش السلمي

يتضح أن ما حققه المغرب من إنجازات لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة قيادة رشيدة للملك محمد السادس، أرست أسس رؤية استراتيجية متكاملة تقوم على الحكمة والتخطيط بعيد المدى، وبين دبلوماسية هادئة وفعالة، واقتصاد يعتمد لغة الأرقام والعمل في صمت، استطاع المغرب أن يعزز استقراره ويرسخ مكانته إقليميا ودوليا وأن يدير حروبه برصانة وهدوء، وهو ما يؤكد أن المعارك الكبرى لا تحسم بالشعارات، بل تدار برؤية واضحة وعمل متواصل يراكم النجاحات بثبات.

المغرب الدبلوماسية الملك محمد السادس

أخبار عربية

آخر الأخبار