الإثنين، 22 يونيو 2026 03:18 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: «أولم فايف»... ومحاكمة الضمير الإنساني.

بوابة المصريين

مقال اليوم كان يتناول مراثي إرميا ضمن سلسلة تبحث في نبوءات أنبياء التلمود، وتحاول استقراء العلاقة بين تأويل هذه النبوءات ومشاريع الهيمنة الصهيونية، في سياق القضية الكبرى المتمثلة في احتلال الكيان الصهيوني لأرض فلسطين، وما يتعرض له الشعب الفلسطيني في غزة من حرب مدمرة وسحقٍ ممنهج منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى اليوم.

وأثناء البحث استوقفتني قضية «أولم فايف»؛ تلك القضية التي تكاد تغيب عن المشهد الإعلامي العربي، على الرغم من ارتباطها الوثيق، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بمعاناة الشعب الفلسطيني وبالضمير الإنساني الذي يواجه اليوم أحد أصعب اختباراته.

لذلك، سيكون مقال اليوم عنهم...

«أولم فايف»... ومحاكمة الضمير الإنساني.

ليست كل المحاكمات التي تجري داخل قاعات العدالة محاكمات للمتهمين وحدهم، فبعض القضايا تتحول إلى محاكمة للمجتمع، وللسياسة، وللضمير الإنساني نفسه. ومن بين هذه القضايا تبرز قضية "أولم فايف"؛ خمسة شبان أوروبيين اختاروا أن يقفوا، بطريقتهم، في مواجهة آلة الحرب، فوجدوا أنفسهم في مواجهة الدولة بكل مؤسساتها.

الغريب أن هذه القضية، رغم ما تحمله من أبعاد أخلاقية وسياسية وإنسانية، مرت في الإعلام العربي مرورًا عابرًا، بينما تستحق أن تكون نموذجًا للنقاش حول معنى التضامن وحدود المقاومة المدنية ومفهوم العدالة في عالم يزداد انقسامًا.

ففي الوقت الذي تتوالى فيه صور الأطفال تحت الأنقاض، والمستشفيات المدمرة، والعائلات التي فقدت كل شيء في غزة، ظهر خمسة نشطاء يؤمنون بأن الإنسان لا يجوز أن يبقى متفرجًا. لم يحملوا بنادق، ولم يقودوا جيوشًا، بل حملوا قناعة مفادها أن تعطيل إنتاج السلاح هو موقف سياسي وأخلاقي في مواجهة استمرار الحرب.

ومن هنا بدأت المفارقة.

فما يعتبره هؤلاء النشطاء فعلًا احتجاجيًا وعصيانًا مدنيًا، تصفه السلطات الألمانية بأنه تخريب وانتماء إلى منظمة إجرامية. وبين الوصفين مساحة واسعة من الأسئلة: هل يصبح الاعتراض على الحرب جريمة؟ وهل يتحول الاحتجاج إلى تهديد للأمن، بينما يبقى إنتاج أدوات القتل نشاطًا مشروعًا ومحميًا بالقانون؟

لا يتعلق الأمر بخمسة أفراد فقط، بل بصورة ألمانيا التي طالما قدمت نفسها باعتبارها دولة القانون والحريات وحقوق الإنسان. غير أن هذه الصورة تصطدم اليوم بواقع سياسي شديد التعقيد، واقع ما زال يعيش تحت ظل التاريخ الثقيل للعلاقة مع إسرائيل، حيث تتحول عقدة الماضي أحيانًا إلى سياسة حاضرة، ويصبح الخوف من الاتهام بمعاداة السامية عاملًا مؤثرًا في رسم المواقف الرسمية.

لكن التاريخ نفسه يعلمنا أن الشعوب ليست الحكومات، وأن الضمير الحر لا يخضع للابتزاز، ولا يقبل أن يتحول الشعور بالذنب التاريخي إلى صك مفتوح لتبرير كل السياسات مهما كانت نتائجها الإنسانية.

لقد أثبتت المظاهرات التي اجتاحت عواصم أوروبا وأمريكا أن هناك عالمًا آخر ينمو في الشوارع والجامعات والنقابات والميادين. عالم يرى أن الدفاع عن المدنيين الفلسطينيين ليس موقفًا أيديولوجيًا، بل واجب أخلاقي وإنساني. ومن هذا العالم خرج "أولم فايف"، ليصبحوا بالنسبة لكثيرين رمزًا لعصيان الضمير أمام صمت السياسة.

قد يختلف الناس حول وسائلهم، وقد يرفض البعض استهداف الممتلكات الخاصة أو تعطيل المنشآت الصناعية، وهذا نقاش مشروع، لكن النقاش الأكثر أهمية هو: لماذا يصبح الفعل الاحتجاجي موضع ملاحقة صارمة، بينما لا تلقى مآسي المدنيين القدر نفسه من الحزم الأخلاقي والسياسي؟

إن ازدواجية المعايير هي الخطر الحقيقي الذي يهدد مصداقية الخطاب الغربي. فلا يمكن الدفاع عن حقوق الإنسان في مكان، والتغاضي عنها في مكان آخر، ولا يمكن الاحتفاء بالمقاومة السلمية عندما تخدم مصالح معينة، ثم تجريمها عندما تعترض على سياسات الحلفاء.

وربما لهذا السبب أصبحت قضية "أولم فايف" أكبر من ملف قضائي. إنها اختبار لفكرة العدالة نفسها، واختبار لقدرة المجتمعات الديمقراطية على استيعاب الاحتجاج السياسي دون تحويله إلى جريمة منظمة.

سيصدر الحكم يومًا ما، وقد يدخل هؤلاء النشطاء السجن أو يخرجون أحرارًا، لكن القضية ستبقى شاهدة على زمن وقف فيه خمسة أشخاص أمام مصنع للسلاح، بينما وقف الملايين أمام شاشاتهم يشاهدون الحرب بصمت.

وسيظل السؤال معلقًا أمام العالم كله: من الذي يصنع التاريخ حقًا؟ من ينتج السلاح، أم من يحاول، مهما كانت وسيلته، أن يوقفه؟

قد تدين المحاكم الأفعال، لكن ذاكرة الشعوب كثيرًا ما تمنح حكمًا مختلفًا، لأن الضمير الإنساني لا يقاس بنصوص الاتهام، بل بقدرته على الانتصار للإنسان عندما يصبح الإنسان نفسه هو الضحية.

مقالات الرأي