الخميس، 23 يوليو 2026 09:37 مـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هدى صالح تكتب : حين يعود الغائب… ولا يعود الإنسان

بوابة المصريين

ليس الغياب وحده هو ما يوجع القلوب، بل الطريقة التي يختار بها البعض العودة.

هناك من يرحل سنوات، تاركًا خلفه قلوبًا لم تتوقف عن الدعاء له، وذكريات بقيت حية رغم مرور الأيام، وأشخاصًا احتفظوا له بمكانه كما تركه، إيمانًا منهم أن الغياب قد تفرضه الظروف، لكن المحبة الصادقة لا تمحوها المسافات ولا الزمن.

وعندما يأتي يوم اللقاء، يتوقع الجميع أن تكون العودة بداية جديدة؛ أن يحمل العائد اعتذارًا صامتًا عن سنوات الفقد، وأن يجتهد في ترميم ما أفسده الزمن، وأن يعوض من انتظروه بمحبة أكبر واهتمام أصدق. فالأيام التي سُرقت لا تُعاد، لكن يمكن تعويضها بحسن المعاملة وصدق المشاعر.

غير أن بعض الناس يعودون بصورة لم يتوقعها أحد. يعودون محملين بالقسوة، وكأن الغياب منحهم الحق في نسيان كل جميل، وكأن السنين محَت من ذاكرتهم الوجوه التي كانت تدعو لهم في الخفاء وتفرح لعودتهم أكثر مما يفرحون هم بها.

والأشد ألمًا أن يتحول من كان يومًا موضع شوق إلى مصدر أذى، وأن تصبح كلماته سهامًا تصيب أولئك الذين لم يقابلوا غيابه إلا بالصبر، ولم يردوا إساءته إلا بالدعاء. فيغدو الجحود لغة، والتعالي أسلوبًا، والحقد رفيقًا لعودة كان يفترض أن تكون مليئة بالامتنان.

إن الإنسان لا يُقاس بعدد السنوات التي عاشها، بل بما تعلمه منها. فالزمن قد يزيد العمر، لكنه لا يصنع الأخلاق. وقد تمر العقود على إنسان دون أن يتعلم أن كلمة شكر قد تعادل كنوز الدنيا، وأن الاعتذار لا ينتقص من الكرامة، بل يرفع قدر صاحبه.

ومن المؤسف أن يعتقد البعض أن من أحبهم سيبقون دائمًا في أماكنهم، مهما أساء إليهم. ينسى أن للقلوب طاقة على الاحتمال، لكنها ليست بلا حدود، وأن الصبر إذا نفد، أغلق الأبواب بهدوء، دون ضجيج أو عتاب.

الوفاء نعمة لا يمنحها الله إلا لأصحاب النفوس الكريمة، أما الجحود فهو خسارة لصاحبه قبل أن يكون إساءة لغيره. فمن يسيء إلى من أحبوه، إنما يهدم الجسر الوحيد الذي كان يوصله إلى قلوب صادقة لم تطلب منه سوى أن يكون كما عرفته يومًا.

لذلك، إذا قررت يومًا أن تعود إلى حياة من أحبك، فلا تحمل معك كبرياءً ولا حقدًا. عد بقلب يعرف قيمة الانتظار، ويقدر نعمة وجود أشخاص لم يغيرهم الزمن رغم أنه غيّرك. فليس كل باب يُفتح مرتين، وليس كل قلب يمنح فرصًا بلا نهاية.

فبعض الغياب ينتهي بلقاء… وبعض العودة تكون بداية الغياب الحقيقي.

مقالات الرأي

آخر الأخبار