الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026 06:16 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: هل انتهت صلاحية القسمات الثلاث؟

بوابة المصريين

عندما وقف النص القديم أمام الدولة الحديثة

هناك نصوص تموت حين يتوقف الناس عن قراءتها.

وهناك نصوص لا تموت أبدًا، لأنها تتغير كلما تغير العالم.

تظل الكلمات نفسها، لكن الأسئلة التي تُطرح عليها تتبدل.

وهكذا عاشت «القسمات الثلاث» أكثر من ألف عام.

خرجت من تفسير حاخامي لنص شعري في نشيد الأنشاد، ثم أصبحت جزءًا من تصور المنفى والخلاص، ثم تحولت إلى أحد الأسس التي استند إليها بعض الحاخامات في رفض الصهيونية، ثم وجدت نفسها، بعد قيام دولة إسرائيل، أمام واقع لم يكن موجودًا عندما صيغت أصلًا.

وهنا ظهر السؤال الذي لا يمكن الهروب منه:

هل ما زالت القسمات الثلاث ملزمة بعد قيام دولة إسرائيل؟

أم أن التاريخ الحديث غيّر شروط قراءتها إلى الحد الذي أصبحت معه جزءًا من ماضٍ ديني لا يحكم الحاضر؟

السؤال يبدو بسيطًا.

لكن الإجابة ليست كذلك.

النص لم يتغير... العالم هو الذي تغير

حين ناقش التلمود البابلي القسمات الثلاث، لم يكن العالم يعرف الدولة القومية الحديثة بصورتها الحالية.

لم تكن هناك دولة إسرائيل.

لم تكن هناك منظمة دولية.

لم تكن هناك مفاهيم حديثة لحق تقرير المصير.

ولم يكن هناك نظام دولي يقوم على سيادة الدول وحدودها المعترف بها.

كان اليهود يعيشون في عالم الإمبراطوريات، والسلطات المتعاقبة، والمنفى، والجماعات الدينية التي لا تملك دولة ذات سيادة.

ومن ثم، فإن القسمات الثلاث كانت تؤدي وظيفة واضحة داخل هذا العالم:

كيف تعيش جماعة في المنفى دون أن تفقد هويتها أو تدفع نفسها إلى كارثة؟

لكن الصهيونية غيّرت السؤال.

ثم جاءت الدولة لتغيّر السؤال مرة أخرى.

لم يعد اليهود جماعة بلا سيادة.

أصبحوا مواطنين في دولة ذات جيش ومؤسسات وحدود.

ولهذا لم يعد من السهل تطبيق النص القديم على الواقع الجديد بالطريقة نفسها التي طبّق بها في عصر المنفى.

مدرسة تقول: النص لا يسقط بالتقادم

بالنسبة إلى التيارات الدينية المناهضة للصهيونية، لم تكن قيام الدولة دليلًا على انتهاء القسمات الثلاث، بل كانت دليلًا على استمرارها.

وهنا تظهر مفارقة شديدة الأهمية.

الصهيوني يرى قيام الدولة باعتباره حقيقة تاريخية ينبغي التعامل معها.

أما الحاخام المناهض للصهيونية فيستطيع أن يرى الحقيقة نفسها باعتبارها المشكلة.

فإذا كانت الدولة قد قامت قبل تحقق الخلاص المسياني، فإن قيامها لا ينسخ النص، بل يجعل التحذير أكثر أهمية.

ومن هذا المنظور، لا تستطيع الوقائع السياسية أن تلغي حكمًا دينيًا لمجرد أن الواقع تجاوزَه.

وهذا هو الموقف الذي نجده بصورة واضحة لدى تيارات مثل ساتمار وناطوري كارتا، مع اختلافات كبيرة بينهما في التفاصيل والمواقف السياسية.

بالنسبة إلى هؤلاء، فإن الزمن لا يملك سلطة تعديل الإرادة الإلهية.

والدولة التي قامت في التاريخ لا تصبح بالضرورة مشروعة دينيًا لمجرد أنها نجحت في تثبيت وجودها.

وهنا تظهر قاعدة فكرية مهمة:

النجاح السياسي ليس دليلًا على الشرعية الدينية.

ومدرسة أخرى تقول: لقد تغير السياق

في الجانب الآخر، ظهرت قراءات دينية صهيونية رأت أن التعامل مع القسمات الثلاث باعتبارها حظرًا أبديًا على أي فعل سياسي يهودي هو قراءة غير ملزمة بالضرورة.

وهذه الاتجاهات لم تنكر أهمية النص، لكنها أعادت تفسيره.

فبعضها رأى أن الحديث عن القسمات الثلاث ينتمي إلى سياق تاريخي محدد، وأنه لا يمكن إسقاطه آليًا على عصر الدولة الحديثة.

وبعضها نظر إلى قيام دولة إسرائيل باعتباره جزءًا من عملية تاريخية يمكن أن تُفهم دينيًا على أنها بداية للخلاص، لا تمردًا عليه.

وهنا يظهر الحاخام أبراهام إسحاق كوك بوصفه واحدًا من أهم الشخصيات التي حاولت بناء جسر بين العالمين.

ففي قراءته للتاريخ، لم يكن من الضروري أن يأتي الخلاص في صورة معجزة منفصلة عن الفعل البشري.

يمكن للتاريخ نفسه أن يصبح أداة من أدوات العناية الإلهية.

ويمكن للأحداث السياسية أن تحمل، في نظر المؤمن، معنى يتجاوز نيات الأشخاص الذين صنعوها.

وبذلك لم يعد السؤال:

هل خالف الصهاينة القسمات الثلاث؟

بل:

هل يمكن أن يكون ما يبدو خرقًا للنص في الظاهر جزءًا من مسار الخلاص في العمق؟

وهذه نقلة فكرية هائلة.

بين النص والتأويل

لكن هناك مشكلة لا ينبغي تجاهلها.

حين نقول إن القسمات الثلاث انتهت صلاحيتها، فإننا لا نتعامل فقط مع النص نفسه.

نحن نتعامل مع سلسلة طويلة من التأويلات.

فالتلمود لم يقدم مفهومًا حديثًا لـ«الدولة اليهودية»، ولم يكتب نظرية سياسية عن الصهيونية.

الذي حدث أن أجيالًا لاحقة قرأت النص في ضوء أسئلتها.

وهذا يعني أن السؤال الحقيقي ليس:

ماذا يقول النص؟

فقط.

بل:

ماذا فهمت منه الأجيال المختلفة؟

وهنا يصبح التاريخ جزءًا من عملية التفسير.

فالنص واحد.

لكن اليهودي في القرن السادس ينظر إليه من داخل عالم.

واليهودي في القرن السادس عشر ينظر إليه من داخل عالم آخر.

واليهودي في القرن التاسع عشر ينظر إليه في عصر القومية.

واليهودي بعد 1948 ينظر إليه في ظل وجود دولة إسرائيل.

وهكذا لا تتغير الكلمات، لكن يتغير السؤال الذي يحمله القارئ إليها.

هل يمكن للتاريخ أن يُبطل النص؟

هذا هو السؤال الفلسفي الأعمق.

إذا كان النص مقدسًا، فهل تستطيع الأحداث التاريخية أن تبطل حكمه؟

المعارض للصهيونية يقول: لا.

لأن الحقيقة الدينية لا تُقاس بالانتصار السياسي.

والصهيوني الديني يقول: ليس بالضرورة.

لأن التاريخ نفسه قد يكون جزءًا من تفسير الوعد.

أما اليهودي العلماني فلا يحتاج أصلًا إلى حسم المسألة لاهوتيًا؛ لأنه قد يرى النص جزءًا من التراث الثقافي والتاريخي، لا مصدرًا ملزمًا للقانون السياسي.

وهكذا نجد أنفسنا أمام ثلاثة عوالم:

لاهوت الانتظار.

لاهوت الخلاص التاريخي.

والقومية الحديثة التي لا تحتاج إلى اللاهوت أصلًا.

وهذه العوالم الثلاثة لا تزال تعيش داخل المجتمع اليهودي حتى اليوم.

الدولة لا تلغي السؤال الديني

قد يبدو أن قيام الدولة حسم القضية.

لكنه لم يفعل.

بل ربما جعلها أكثر تعقيدًا.

لأن الدولة اليهودية نفسها أصبحت مكانًا للصراع بين تصورات مختلفة لليهودية.

هناك من يريدها دولة ديمقراطية ذات طابع قومي يهودي.

وهناك من يريد تعزيز الطابع الديني فيها.

وهناك من يرى أن السيادة اليهودية يجب أن تكون خاضعة لأحكام الشريعة.

وهناك من يرفض أصل فكرة الدولة قبل مجيء الماشيح.

وهكذا لم تعد المعركة فقط بين اليهودية والصهيونية.

بل أصبحت أيضًا داخل اليهودية نفسها حول معنى الدولة اليهودية.

وهذا من أهم الدروس التي تكشفها رحلة القسمات الثلاث.

فقيام دولة إسرائيل لم يُنهِ السؤال الديني.

لقد نقله من خارج الدولة إلى داخلها.

ماذا بقي من القسمات؟

ربما يكون من الخطأ السؤال:

هل ما زالت القسمات الثلاث سارية؟

وكأننا أمام قانون وضعي يمكن أن يكون نافذًا أو ملغى.

الأدق أن نسأل:

كيف تُقرأ القسمات الثلاث اليوم؟

فهناك من يقرأها باعتبارها نصًا دينيًا ملزمًا.

وهناك من يقرأها باعتبارها تعبيرًا عن موقف حاخامي من المنفى والخلاص في عصر سابق.

وهناك من يعيد تفسيرها ضمن التصور الصهيوني الديني.

وهناك من يراها جزءًا من التراث اليهودي، دون أن يمنحها سلطة سياسية.

وهناك من يستخدمها سياسيًا في الجدل حول شرعية الصهيونية أو الدولة.

إذن، القسمات لم تختفِ.

لكن وظيفتها تغيرت.

لقد انتقلت من كونها أداة لتنظيم حياة المنفى إلى كونها أداة لفهم الصراع حول الدولة.

وهذا التحول في حد ذاته جدير بالدراسة.

النص الذي أصبح مرآة

وهنا ربما نكتشف شيئًا أكثر عمقًا.

كل تيار يرى نفسه في القسمات الثلاث.

المناهض للصهيونية يرى فيها تحذيرًا من استعجال الخلاص.

الصهيوني الديني يرى فيها سؤالًا يحتاج إلى إعادة تفسير في ضوء التاريخ.

العلماني يرى فيها وثيقة تكشف كيف كان اليهود يفكرون في المنفى.

والسياسي قد يرى فيها مادة تستخدم في معركة الشرعية.

النص واحد.

لكن المرآة تختلف باختلاف من يقف أمامها.

وهذا ليس خاصًا بالقسمات الثلاث.

إنها مشكلة قديمة في تاريخ النصوص المقدسة كلها:

هل نحن الذين نقرأ النص، أم أن النص أصبح في أيدينا وسيلة لقراءة أنفسنا؟

من الخلاص إلى المسؤولية

ربما كان علينا أن ننتقل في هذه المرحلة من سؤال الشرعية إلى سؤال المسؤولية.

فحتى لو افترضنا أن قيام دولة إسرائيل أصبح واقعًا تاريخيًا لا يمكن تجاهله، فإن ذلك لا ينهي الأسئلة الأخلاقية التي يثيرها النص.

بل ربما يجعلها أكثر إلحاحًا.

إذا كانت القسمات الثلاث تتحدث عن الخلاص دون استعجال، وعن العلاقة مع الأمم، وعن عدم اضطهاد اليهود، فإن تحويلها إلى مبادئ سياسية معاصرة يتطلب أكثر من اختيار القسم الذي يخدم موقفًا معينًا.

يتطلب قراءة الثلاثة معًا.

وهنا تظهر قيمة النص.

فهو لا يمنح طرفًا واحدًا حصانة.

ولا يحول طرفًا واحدًا إلى مالك حصري للحق.

بل يفرض على الجميع أسئلة عن القوة والخوف والخلاص والعلاقة بالآخر.

من يملك حق إنهاء المنفى؟

ربما كان هذا هو السؤال الذي ظل مختبئًا طوال هذه السلسلة.

فالصهيونية قالت:

نحن نملك الحق في إنهاء المنفى.

والحاخام المناهض للصهيونية قال:

ليس لكم هذا الحق.

والصهيوني الديني قال:

ربما يكون فعلنا نفسه جزءًا من إرادة الله.

أما التاريخ، فقد قال شيئًا أكثر قسوة:

لقد حدث الأمر بالفعل.

لكن حدوث الشيء لا يحسم معناه.

فالوقائع تجيب عن سؤال:

ماذا حدث؟

ولا تجيب وحدها عن سؤال:

هل كان ما حدث عادلًا؟

وهنا تفترق السياسة عن الأخلاق.

القسمات الثلاث بعد قرن من الصهيونية

بعد أكثر من قرن على ظهور الحركة الصهيونية، لم تعد القضية مجرد خلاف بين حاخامات وصهاينة.

لقد أصبحت سؤالًا عن قدرة المجتمعات على التعامل مع نصوصها القديمة في عالم حديث.

هل يجب أن تُقرأ النصوص المقدسة باعتبارها أوامر حرفية لكل عصر؟

أم باعتبارها شهادات تاريخية تحمل مبادئ يمكن إعادة التفكير فيها؟

أم أن كل إعادة تفسير هي بالضرورة تغيير للنص؟

لا توجد إجابة واحدة يتفق عليها الجميع.

لكن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها:

النص الذي ظن البعض أنه انتهى بقيام الدولة عاد مرة أخرى إلى قلب النقاش.

عاد في المدارس الدينية.

وعاد في الصراعات السياسية.

وعاد في النقاشات حول الصهيونية.

وعاد في الجدل حول معنى الخلاص.

وعاد في السؤال الفلسطيني الإسرائيلي، ولو بصورة غير مباشرة.

لم يمت النص.

لكن العالم الذي كان يفسره قد مات.

ولهذا أصبح علينا أن نقرأه من جديد.

ليست القضية: هل القسمات صحيحة؟

ربما يكون السؤال نفسه بحاجة إلى تغيير.

فبدلًا من أن نسأل:

هل القسمات الثلاث صحيحة أم باطلة؟

يمكن أن نسأل:

ماذا فعل البشر بهذه القسمات عبر التاريخ؟

كيف أصبحت من تفسير لنص شعري إلى نظرية في المنفى؟

كيف تحولت إلى موقف ديني ضد الصهيونية؟

كيف أعيد تفسيرها لتصبح جزءًا من الصهيونية الدينية؟

وكيف تحولت في العصر الحديث إلى أداة في سجال سياسي واسع؟

هذا السؤال أكثر أهمية من مجرد إصدار حكم.

لأنه يعيد النص إلى التاريخ.

والتاريخ هو المكان الذي تتحول فيه الكلمات إلى قوة.

وفي النهاية...

ربما لم تنتهِ صلاحية القسمات الثلاث.

وربما لم تعد تعمل بالطريقة نفسها.

والفارق بين الأمرين مهم جدًا.

فالنصوص لا تعيش فقط عندما يطيعها الناس حرفيًا.

أحيانًا تعيش لأنها تظل قادرة على إزعاج الحاضر.

والقسمات الثلاث ما زالت تملك هذه القدرة.

إنها تذكّر المؤمن بأن الخلاص ليس دائمًا مشروعًا بشريًا.

وتذكّر السياسي بأن القوة لا تكفي لصناعة الشرعية.

وتذكّر الجماعات المضطهدة بأن الخوف لا ينبغي أن يتحول إلى عقيدة دائمة.

وتذكّر الأمم بأن حماية شعب من الاضطهاد لا تعني منح أي سلطة حقًا مطلقًا في ممارسة القوة.

لكنها، قبل كل شيء، تضعنا أمام السؤال الذي لم يجد التاريخ له إجابة نهائية:

حين يخرج الوعد من النص ويدخل السياسة، من يملك حق تفسيره؟

الحاخام؟

أم السياسي؟

أم الدولة؟

أم الجماعة؟

أم التاريخ نفسه؟

ربما لا يكون أخطر ما في النصوص المقدسة أنها قابلة للتفسير.

بل أن البشر قد ينسون، في لحظة ما، أن التفسير ليس هو النص.

ومن هنا نصل إلى المقال التاسع، حيث تصبح المسألة أكثر اقترابًا من قلب الصراع الحديث:

حين يدخل النص إلى أرض المعركة

كيف تحولت «القسمات الثلاث» من قضية لاهوتية إلى أداة في الصراع على فلسطين؟

هناك، سنغادر عالم الحاخامات والنصوص وحده، وندخل إلى المنطقة التي يصبح فيها التفسير الديني جزءًا من خطاب الأرض والهوية والشرعية والسيادة؛ وسنحاول أن نعرف: متى يصبح النص الديني تفسيرًا للسياسة، ومتى تصبح السياسة هي التي تعيد اختراع معنى النص؟

مقالات الرأي

آخر الأخبار