السبت، 22 أغسطس 2026 02:44 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

د. امينة زنون تكتب: الإكستاسي!!

بوابة المصريين


أن يهدأ العالم من حولك، ويستيقظ قلبك على معنى القرب والتواصل مع الخالق.
حين نبتعد قليلًا عن ضجيج العالم، وننصت إلى ما يحدث في أعماقنا، قد نصل إلى حالة من القرب الروحي نشعر معها أن حضور الله يملأ المكان نراه في سكينة الكون، ونستشعر رحمته في كل ذرة من ذرات الوجود. ندعوه بقلب خاشع، لا بحثًا عن كلمات منمقة، وإنما لأن القلب نفسه يصبح دعاءً، وفي كل كلمة نشعر براحة، وفي كل صمت نشعر بأن هناك من يسمعنا ويعلم ما تخفيه صدورنا، هي لحظة لا تحتاج فيها إلى العالم كي تشعر بالأمان، يكفيك أن تشعر بأن الله قريب.
حين نبتعد عن ضجيج العالم ونشعر بالقرب الروحاني لدرجة انك تري الله في كل ذرة حولك تدعو الله بقلب خاشع وفي كل كلمة تشعر بالراحة والنعيم ، وربما لا يتوقف أثر هذه الحالة عند علاقتنا بالخالق، بل تمتد آثارها إلى علاقتنا بمن حولنا ولا اقصد من حولنا ف المكان، لكن أعني هنا كل من هو قريب من روحنا فعندما يهدأ الداخل ويصفو القلب، نصبح أكثر قدرة على الإحساس بمن نحبهم نلتقط ما لا يُقال، ونشعر بالحزن خلف الابتسامة، وبالتعب خلف الصمت، وبالاحتياج الذي قد يعجز صاحبه عن التعبير عنه وان كان بعيدا، لا لأننا نملك قدرة خارقة على قراءة ما بداخلهم وإنما لأن القرب الروحي والصفاء الداخلي يجعلاننا أكثر انتباهًا للمشاعر وأكثر اتصالًا بالآخرين.
فربما كلما اقترب الإنسان من الخالق، أصبح أكثر رحمة بالخلق، وكلما هدأ ضجيجه الداخلي، أصبح أكثر قدرة على سماع ما لا تقوله الكلمات، وما يخفيه الآخرون وراء صمتهم.
وهي لحظة نضج روحي نصل إليها بعد خذلان العالم لنكتشف أن التعلق الحقيقي والأمان الأعمق لا يكونان إلا بالله، فهناك مرحلة نصل إليها نكتشف كم كنا نحمّل الأشياء والبشر أكبر من حجمهم، وكنا نبحث عن الأمان في أماكن لا تملك أن تمنحنا إياه. عندها نهدأ شيئًا فشيئًا، لنتخلى عن كثير من التعلقات، وندرك أن العالم بكل ما فيه أصغر من أن يمنح القلب ما يبحث عنه حقًا.
في تلك اللحظة لن نعود بحاجة إلى أن يفهمنا الجميع، ولا ان يقدرنا الجميع، ولا إلى أن يبقى أحد إلى جوارنا طوال الوقت؛ يكفينا أن الله يعلم ما في القلب .

فما أجمل الدعاء حينما يخرج من القلب فلا يكون مجرد كلمات منمقة نرددها لأن الآخرين يرددونها فالله لا يحتاج منا إلى بلاغة نستعرضها، ولا إلى عبارات محفوظة لا نشعر بمعانيها فهو أعلم بما تخفيه الصدور.
كم هو رائع ومريح عندما اتحدث إلى الله كما أنا…قد أقوم بهمهة خافتة او كلمات غير مفهومة وانا علي يقين انه سيفهمني ويعلم ما بداخلي ويشعر بما أكنه من مشاعر وحب له ، اتكلم دون حذر، دون تكلف أقول ما بداخلي بصوت خافت، وأحيانًا لا أقول شيئًا على الإطلاق، أتحدث بقلبي، وهو يفهمني
لا أحتاج إلى أن أرتب مشاعري قبل أن أقف بين يديه، ولا أن أبحث عن جملة بليغة تصف ألمي، او سعادتي وربما شكري له علي نعمه التي لا تعد، أقول له ما عجزت عن قوله للآخرين، وأبوح له بما أخفيه حتى عن نفسي.

قد أصمت، لكنه يسمع
قد أعجز عن التعبير، لكنه يعلم.
وقد لا أجد الكلمات أصلًا، فيكون قلبي هو الدعاء.

وربما أجمل ما في القرب من الله أن تصل إلى مرحلة لا تشعر فيها أنك بحاجة إلى الهمهمة بكلمات يتناقلها الناس، وإنما تتحدث إليه بلغتك أنت، لغة القلب فهناك أشياء لا تستطيع الكلمات أن تحملها، لكن الله يعلمها قبل أن ننطق بها.

وحينها يصبح الدعاء راحة لا عبئًا، وصدقًا لا أداءً، وقربًا لا يحتاج إلى شهود.
فلا أحب تلك الأدعية التي يتناقلها الجميع دون التمعن في معانيها او الشعور بكل كلمة، ادعو الله بقلبي دون كلماتي.


وتلك المرحلة حين بحثت عنها وجدتها قريبة من معني كلمة اكستاسي و هي مرحلة من الشطح الوجداني الذي يجعلني أشعر بأنني منفصلة عن ضجيج العالم وعلي تواصل مع الخالق.

هل تفهم ماذا أعني ؟

انت علي تواصل مع الله بصورة مباشرة تري مالا يراه سواك تشعر بأشياء حقيقية غير ملموسة، قد يتهمني البعض بالجنون !!

لكن …البعض فقط هو من يفهم ما أعنيه.

حين يتجاوز الشعور حدود الكلمات
حين بحثت عن معنى شعور لا تصفه كلمة السعادة الحالة التي نصل إليها ونحن نشعر بأننا قريبين مع الله لدرجة لا توصف، وأن الله يسمع أنيننا دون التفوه بكلمات محفوظة.
وجدتها كلمة اكستاسي
قرأت المصطلح، فتوقفت أمامه طويلًا: هل هو مجرد صورة أكثر شدة من السعادة؟ أم أنه الحالة الوجدانية المختلفة التي ابحث عنها والتي يصل إليها الإنسان في لحظات استثنائية؟ وهل يمكن أن يعيش الإنسان لحظة يشعر فيها أنه ابتعد قليلًا عن ضجيج العالم، واقترب كثيرًا من ذاته وبالتالي من الله؟
وكانت بداية رحلة للبحث عن تلك الحالة التي يصل إليها الإنسان عندما تتجاوز مشاعره حدود الوصف المعتاد.

ما الإكستاسي؟
يُستخدم مفهوم الإكستاسي لوصف حالة شديدة الارتفاع من الانفعال الإيجابي أو النشوة الوجدانية، قد يشعر خلالها الإنسان بفرح عميق، أو امتلاء داخلي، أو اتصال استثنائي بذاته أو بمن حوله أو بما يؤمن به، فهو شعور أكثر عمقًا وشدة من مجرد كلمة سعادة فهو حالة قد يصبح فيها الإنسان شديد الحضور في اللحظة، وكأن العالم الخارجي يتراجع قليلًا، بينما يصبح الشعور الداخلي أكثر وضوحًا.
وهنا يبدأ السؤال الأجمل
هل نحن نبحث عن الإكستاسي، أم أن الإكستاسي هو الذي يأتي إلينا عندما نكون مستعدين له؟
متى يصل الإنسان إلى هذه الحالة؟
لا توجد طريقة واحدة يصل بها جميع البشر إلى هذه التجربة. فقد تظهر في لحظات الحب العميق، أو الإنجاز، أو التأمل، أو الفن والموسيقى، أو التجارب الروحية، أو لحظات التأمل الطويل في معنى الحياة.
وقد يصل إليها الإنسان عندما يمر بلحظة من الصفاء النفسي يشعر فيها أن الضجيج الداخلي قد هدأ، وأنه أصبح أكثر اتصالًا بذاته.
وبالنسبة لبعض الأشخاص، قد تكون التجربة ذات طابع روحي عميق يشعر الإنسان خلالها بالقرب من الخالق، وبمعنى يتجاوز الكلمات والتفسيرات العقلية المعتادة

هل نسعى إليها؟

المشاعر الإنسانية بطبيعتها متغيرة، والسعادة المستمرة ليست حالة واقعية، وقد يؤدي البحث الدائم عن الشعور المرتفع إلى جعل الإنسان غير راضٍ عن لحظاته العادية، مع أن الحياة في حقيقتها تتكون من الهدوء كما تتكون من الفرح، ومن القوة كما تتكون من الضعف.
وقد تكون هذه المسافة المؤقتة عن العالم مريحة جدًا؛ لأنها تمنح الإنسان فرصة لإعادة ترتيب أفكاره ومشاعره.
لكن هناك فرقًا مهمًا بين الابتعاد المؤقت للتأمل والاستشفاء النفسي، وبين الانفصال المستمر عن الواقع أو فقدان القدرة على ممارسة الحياة اليومية، الأول قد يكون تجربة إنسانية طبيعية، أما الثاني فيحتاج إلى فهم نفسي مختلف أما تجربتي الخاصة.
ربما كان أكثر ما أثار اهتمامي في هذا المصطلح أنه جعلني أفكر في معنى القرب.
هناك لحظات لا نستطيع تفسيرها بسهولة، نشعر فيها أننا لسنا وحدنا، وأن هناك معنى أكبر من قدرتنا على التعبير.
أن تشعر أنك متصل بالخالق دون حواجز
أن تشعر بقرب لا تستطيع أن تشرحه لأحد، لأن هذا القرب لا يعرف عمقه إلا أنت وهو.
وهنا يصبح الإكستاسي بالنسبة لي أكثر من مصطلح في كتاب علم نفس، يصبح سؤالًا عن تلك اللحظات التي يتجاوز فيها الإنسان صخب العالم، ويجد نفسه في مساحة شديدة الخصوصية من السكون والطمأنينة والقرب.

الإكستاسي... هل هو هروب أم وصول؟
ربما يكون السؤال الحقيقي ليس: كيف أصل إلى الإكستاسي؟
إلى أين أصل عندما أصل؟
هل أهرب من العالم؟
أم أعود إلى نفسي؟
هل أفقد الواقع؟
أم أراه بصورة أكثر صفاءً؟
هل أبحث عن السعادة؟
أم أبحث عن معنى أعمق منها؟
وربما تختلف الإجابة من إنسان إلى آخر
لكن المؤكد أن الإنسان سيظل يبحث عن تلك اللحظات التي يشعر فيها أن الحياة ليست مجرد أيام تتكرر، وإنما تجربة تحمل معنى، وأن وراء هذا الضجيج كله مساحة من السكون يمكن أن نلتقي فيها .

هل يصل الإنسان إلى هذه الحالة بإرادته؟

ربما لا نستطيع أن نقرر متى تأتي هذه اللحظة، ولا أن نضع لها موعدًا
لكننا نستطيع أن نهيئ أرواحنا لها
بالدعاء، والتأمل، والذكر، والخلوة الهادئة، ومراجعة النفس، والابتعاد قليلًا عن ضجيج الحياة، ومحاولة أن يعيش الإنسان لحظات يكون فيها صادقًا تمامًا مع نفسه ومع خالقه.
وقد يجتهد الإنسان في الطاعة والعبادة والبحث عن السلام الداخلي، لكنه لا يستطيع أن يفرض على نفسه شعورًا معينًا؛ فهناك فرق بين أن تبحث عن القرب، وبين أن تمنحك لحظة ما إحساسًا عميقًا بأنك أصبحت قريبًا بالفعل.

هل هي لحظة مريحة؟
نعم وربما تكون من أكثر اللحظات راحة، أن تبتعد قليلًا عن صخب العالم دون أن تتركه
أن تتوقف للحظات عن التفكير في من ظلمك، ومن خذلك، ومن لم يفهمك، و ماذا سيحدث غدًا؟
أن يصبح كل ذلك بعيدًا، ويظل شيء واحد حاضرًا بقوة

"أن الله يعلم"
يعلم ما لم تستطع قوله، ويعلم ما أخفيته، ويعلم تعبك، وخوفك، وأمنياتك، وحتى تلك الأشياء التي عجزت عن تفسيرها لنفسك
وفي تلك اللحظة قد لا تحتاج إلى أن تشرح شيئًا لأحد

هل الإكستاسي هروب من العالم؟

ربما هو ليس هروبًا بقدر ما هو ابتعاد مؤقت عن صخب الحياة للعودة إلى المعنى
فالإنسان لا يستطيع أن يعيش طوال الوقت في هذه الحالة، ولا ينبغي أن يتحول البحث عنها إلى رغبة في الانفصال عن الحياة
لكن من الجميل أن تكون هناك لحظات نبتعد فيها قليلًا عن كل شيء، لنقترب من الشيء الأهم
نعود بعدها إلى الحياة أكثر هدوءًا، وأكثر قدرة على الاحتمال، وأكثر يقينًا بأننا لسنا وحدنا
أما عن تلك اللحظة
كلما فكرت في الإكستاسي، أجدني لا أبحث عن تعريف له بقدر ما أبحث عن وصف لشعور ربما عجزت اللغة عن احتوائه، أن تشعر أنك متصل بالخالق دون حواجز.
أن تشعر بقرب شديد، قرب لا يعرف حقيقته وعمقه إلا الله وأنت.
أن تجلس وحدك، ولكنك لا تشعر بالوحدة، أن تصمت، ولكن بداخلك حديث طويل
أن تترك العالم للحظات، فتجد أن قلبك لم يبتعد عن الحياة، وإنما اقترب من مصدر الطمأنينة فيها.
وربما لهذا السبب تحديدًا أثارني هذا المصطلح.
فقد اكتشفت أن بعض الرحلات لا تبدأ بخطوة، وإنما بكلمة في كتاب
وبعض الأسئلة لا تبحث عن إجابة عقلية فقط، وإنما تقودنا إلى مساحة أعمق
"إلى القلب"
وربما يكون أجمل ما يمكن أن يصل إليه الإنسان ليس أن يمتلك العالم، وإنما أن يصل إلى لحظة يشعر فيها أن خالقه قريب منه، وأنه مهما ازدحم العالم من حوله، هناك دائمًا باب مفتوح لا يحتاج إلى مفتاح،
باب القرب
وهنا تبدأ مرحلة مختلفة... مرحلة يصبح فيها حب الخالق هو الملجأ، والقرب منه هو الطمأنينة، والدعاء هو الحديث الذي لا يحتاج إلى شرح وكأن كل خذلان مررت به لم يكن نهايته، بل كان يدفعني بهدوء نحو الحقيقة الأعمق،،، وهي أن البشر قد يرحلون، وأن الأشياء قد تتغير، وأن العالم قد يخذلك لكن الله لا يغيب.

مقالات الرأي

آخر الأخبار