هشام بيومي يكتب: من النص إلى الدولة كيف انتقلت الشرعية من انتظار الماشيح إلى شرعية الدولة الحديثة؟


مدخل: من سؤال الجواز إلى سؤال الكينونة
في المقالات السابقة، كان السؤال المطروح سؤالًا نصيًا بامتياز: هل يجوز لليهود أن يعودوا إلى أرض الميعاد؟ وكانت الإجابات كلها تدور في فلك النص الديني، بين وعدٍ توراتي، وشرطٍ نبوي، وانتظارٍ مشيحاني لم يُحسم بعد. لكن التاريخ، كما هو معتاد، لا ينتظر أن تُحسم الأسئلة اللاهوتية قبل أن يمضي في طريقه. فبينما كان الفقهاء والحاخامات لا يزالون يتجادلون في شرعية العودة من الناحية الدينية، كانت وقائع سياسية أخرى تتشكل على الأرض، وتصنع شرعية من نوعٍ مختلف تمامًا: شرعية لا تستمد وجودها من نص مقدس، بل من إعلانٍ، ومن اعترافٍ دولي، ومن سيادةٍ تُفرض بحكم الأمر الواقع.
هذا الانتقال - من شرعية النص إلى شرعية الدولة - هو ما يعنينا في هذا المقال. فالسؤال لم يعد: هل يحق لليهود أن يعودوا؟ بل أصبح: ماذا يحدث حين يعودون بالفعل، لا كأفراد أو كجماعات مهاجرة، بل ككيان سياسي يطالب بالاعتراف والسيادة؟ وكيف تحوّلت فكرة "العودة" من مطلبٍ دينيّ مؤجَّل إلى الأبد إلى مشروعٍ سياسي يُنجَز في زمنٍ محدد؟
أولًا: الشرعية الدينية القديمة - الانتظار كموقف لاهوتي
في التصور اليهودي التقليدي، كانت "العودة" مرتبطة عضويًا بشخص الماشيح المنتظر. لم تكن هجرة جماعية منظمة، ولا مشروعًا سياسيًا يُدار بإرادة بشرية، بل حدثًا خلاصيًا يقع في "آخر الأيام"، على يد مبعوثٍ إلهي، وبتدخل مباشر من العناية الإلهية. وقد تكرّس هذا الموقف في التراث التلمودي عبر ما عُرف بـ"الأَيْمان الثلاثة" (השבועות השלוש)، وهي مجموعة تعهدات نُسبت إلى الشعب اليهودي في المنفى، تقضي بألا يُقدِم اليهود على "الصعود بسورٍ" - أي غزو الأرض بالقوة الجماعية - وألا يتمردوا على الأمم التي يعيشون بين ظهرانيها، في مقابل ألا تُثقل هذه الأمم كاهلهم فوق طاقتهم.
كانت هذه البنية اللاهوتية، على تناقضاتها الداخلية، تؤدي وظيفة سياسية بالغة الأهمية: فهي تُبقي "العودة" في أفق الغيب، بعيدًا عن متناول أي مشروع بشري، وتحصر شرعيتها في لحظة خلاصية لا يملك أحد أن يستعجلها أو يزعم تمثيلها. وبهذا المعنى، لم تكن هناك "شرعية سياسية" للعودة أصلًا، بل شرعية دينية مؤجَّلة، مشروطة بفاعلٍ إلهي متجاوز.
ثانيًا: الصهيونية كقطيعة - من الغيب إلى التاريخ
جاءت الصهيونية السياسية، في أواخر القرن التاسع عشر، لتُحدث قطيعة جذرية مع هذا التصور. فهرتزل ومن جاء بعده لم يكونوا يتحدثون عن ماشيح، ولا عن معجزة، بل عن "حل سياسي لمسألة قومية"، يُدار بالمؤتمرات والمفاوضات الدبلوماسية وشراء الأراضي وبناء المؤسسات. كانت هذه، من حيث الجوهر، حركة علمانية بامتياز، تستعير الرمزية الدينية (أرض الميعاد، صهيون، أورشليم) لكنها تُفرغها من مضمونها اللاهوتي الأصلي، وتستبدل بالانتظار السلبي فعلًا سياسيًا إراديًا.
ولذلك، لم يكن غريبًا أن تجد الصهيونية معارضة شرسة من صميم المؤسسة الدينية اليهودية التقليدية. فحركات مثل "ناطوري كارتا" (حراس المدينة) رأت في قيام دولة يهودية قبل مجيء الماشيح تجديفًا صريحًا وخرقًا لتلك الأَيْمان الثلاثة، وتمردًا على المشيئة الإلهية ذاتها. بل إن بعض أقطاب هذا التيار وصفوا الصهيونية بأنها "التمرد الأكبر" في تاريخ اليهودية، لأنها تستولي بيد البشر على ما لا يحق إلا لليد الإلهية أن تمنحه.
في المقابل، ظهر تيار مضاد داخل المعسكر الديني نفسه، تزعّمه الحاخام أبراهام إسحاق كوك، الذي قدّم تأويلًا لاهوتيًا-سياسيًا مغايرًا: لم يعد قيام الدولة تمردًا على الخلاص، بل بات يُقرأ باعتباره "بداية نبتة الخلاص" (ראשית צמיחת גאולתנו) ذاته. بمعنى أن الفعل البشري - الاستيطان، والدولة، والسيادة - لم يعد نقيضًا للمشيحانية، بل أصبح أداتها وتجلّيها الأول في التاريخ. هذا التأويل هو الذي مهّد الطريق لاحقًا لما يُعرف بـ"الصهيونية الدينية"، التي جمعت بين قداسة الأرض وسياسة الدولة، ووجدت في كل توسع استيطاني خطوة إضافية على طريق الخلاص المؤجَّل.
ثالثًا: من النص إلى الوثيقة - تراكم الشرعيات الدولية
لكن الأهم من هذا الجدل اللاهوتي الداخلي هو أن مسار الشرعية انتقل، عمليًا، إلى ساحة أخرى تمامًا: ساحة القانون الدولي والاعتراف السياسي. فبدل الاحتكام إلى نصٍ توراتي أو تلمودي، بدأت الحركة الصهيونية تبني شرعيتها طبقة فوق طبقة من الوثائق والإعلانات ذات الطابع القانوني والدبلوماسي:
وعد بلفور (1917) كان أول تحوّل جوهري: فهنا، لأول مرة، تتبنى دولة عظمى - بريطانيا - عبارة "وطن قومي للشعب اليهودي" في وثيقة رسمية، ناقلةً القضية من حيز اللاهوت إلى حيز السياسة الدولية والانتداب.
قرار التقسيم الأممي رقم 181 (1947) جاء ليمنح هذا المشروع طبقة أعلى من الشرعية: اعتراف مؤسسة دولية جماعية - عصبة الأمم ثم الأمم المتحدة من بعدها - بحق قيام دولة يهودية على جزء من أرض فلسطين، ولو باعتراضٍ ورفضٍ عربي وفلسطيني حاسم.
إعلان الاستقلال (14 مايو 1948) كان الخطوة الأخيرة والحاسمة في هذا التحوّل: فعل سيادي أحادي، تُعلن فيه جماعة سياسية عن نفسها دولةً، وتطلب الاعتراف بها من بقية دول العالم. وهنا يكتمل الانتقال الذي نتتبعه: فالشرعية لم تعد تُستمد من "متى يأذن الإله بالعودة؟"، بل أصبحت تُقاس بـ"من يعترف بالدولة، ومتى، وبأي حدود؟".
رابعًا: طبيعة الشرعية الجديدة - العقلانية القانونية في مواجهة القداسة
ما حدث هنا، إذا استعرنا مفهوم ماكس فيبر الشهير عن أنماط السلطة، هو انتقال من شرعية تقوم على "التقديس" إلى شرعية تقوم على "العقلانية القانونية". فالسلطة التي كانت تُستمد تاريخيًا من كونها تحقيقًا لوعدٍ إلهي أو استمرارًا لتقليدٍ ديني مقدّس، حلّت محلها سلطة تستمد شرعيتها من إجراءات: إعلان، دستور مؤقت، اعتراف دولي، عضوية في هيئة الأمم المتحدة (وهو ما تحقق فعليًا في مايو 1949).
هذا لا يعني أن البُعد الديني قد اختفى، بل إنه ظلّ حاضرًا كخطاب مصاحب ومُبرِّر، خصوصًا في المراحل اللاحقة (احتلال القدس الشرقية عام 1967 وما أثاره من حمّى مشيحانية جديدة داخل التيارات الدينية الصهيونية). لكن الأساس القانوني والسياسي للدولة، من الناحية الشكلية على الأقل، لم يعد بحاجة إلى مصادقة لاهوتية كي يقوم ويُعترف به دوليًا؛ فقد أصبح قائمًا بذاته، بمنطق الدولة الحديثة: سيادة على إقليم، واحتكار مشروع للقوة، واعتراف من نظرائها في المجتمع الدولي.
خامسًا: التوتر الذي لم يُحسم
غير أن هذا الانتقال لم يكن نظيفًا ولا نهائيًا. فالدولة التي وُلدت من رحم شرعية سياسية-قانونية، ظلت تحمل في داخلها توترًا بنيويًا لم يُحسم حتى اليوم: هل هي "دولة يهودية" بالمعنى الديني القدسي، أم "دولة لليهود" بالمعنى المدني العلماني؟ هذا السؤال نفسه هو ما يفسر استمرار الانقسام الداخلي العميق في المجتمع الإسرائيلي، بين علمانيين يرون في الدولة مشروعًا قوميًا حديثًا كسائر الدول، ومتدينين يرون فيها - على تفاوت في الدرجة - محطة على طريق خلاصي لم يكتمل بعد.
وهو ما يجعل من هذه الدولة حالة فريدة نوعًا ما: كيان سياسي حديث، معترف به بموجب القانون الدولي، لكنه في الوقت ذاته لا يكفّ عن استحضار نصٍ ديني قديم كمصدرٍ مواز للشرعية، كلما دعت الحاجة السياسية إلى ذلك - في تبرير الاستيطان، أو في المطالبة بالقدس، أو في تعريف "من هو اليهودي" أصلًا لأغراض قانون العودة.
خاتمة: من "هل يجوز؟" إلى "ماذا يترتب؟"
بهذا الانتقال - من انتظار الماشيح إلى إعلان الدولة، ومن الشرعية النصية إلى الشرعية القانونية الدولية - يكون السؤال القديم قد استُنفد فعليًا. لم يعد الجدل حول "الجواز" الديني ذا أثر عملي يُذكر على مسار الأحداث؛ فالدولة قامت، واعترف بها العالم، وباتت عضوًا في هيئة الأمم المتحدة، بصرف النظر عن كل الجدل اللاهوتي الذي سبق قيامها أو رافقه.
وهنا بالتحديد تنفتح المسائل الأكثر تعقيدًا، والتي ستكون موضوع مقالاتنا القادمة: ماذا يعني أن تقوم دولة تحمل اسمًا دينيًا وترثًا مقدسًا، لكنها تُدار بمنطق الدولة الحديثة؟ وكيف تتعامل هذه الدولة مع سكان الأرض الأصليين الذين لم يكونوا طرفًا في أي من هذه الشرعيات المتراكمة؟ وما مصير فكرة "الخلاص" حين تتحول إلى سياسة دولة، لها جيش، وحدود، ومصالح، وحسابات تتجاوز أي أفقٍ ديني مجرد؟
من النص إلى الدولة، إذن، ومن الدولة إلى ما بعدها - هذا ما سنتابعه في المقال القادم.






















