الثلاثاء، 11 أغسطس 2026 01:00 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: الحاخامات الذين قالوا: لا للدولة

بوابة المصريين

حين جاء الرفض من داخل البيت اليهودي نفسه

لم تكن الصهيونية تواجه خصومها خارج البيت اليهودي فقط.

كان خصومها الأكثر إيلامًا، في بعض اللحظات، يقفون داخل البيت نفسه؛ يرتدون الزي الديني، ويحملون كتب التلمود، ويعرفون النصوص التي يستند إليها المشروع الصهيوني أكثر مما يعرفها كثير من خصومه.

ولهذا كان السؤال الذي طرحه هؤلاء أكثر إحراجًا من أي سؤال سياسي آخر:

إذا كانت الصهيونية تسعى إلى إعادة اليهود إلى أرض إسرائيل، فلماذا يعارضها بعض اليهود أنفسهم؟

والإجابة تقودنا مرة أخرى إلى "القسمات الثلاث".

فالمعارضة الدينية للصهيونية لم تكن، في أصلها، رفضًا لفكرة الارتباط بأرض إسرائيل. وهذه نقطة شديدة الأهمية.

فالأرض تحتل مكانة مركزية في الذاكرة الدينية اليهودية، والقدس حاضرة في الصلاة والطقوس والوجدان، والعودة إليها ظلت أمنية متجذرة في التقليد اليهودي.

المشكلة لم تكن في العودة، وإنما في من يقرر موعدها وكيف تحدث.

وهنا يظهر الفارق بين مفهومين تبدو المسافة بينهما صغيرة، لكنها في الحقيقة هائلة:

العودة كخلاص إلهي، والعودة كمشروع سياسي.

بالنسبة إلى التيارات الدينية المناهضة للصهيونية، لم يكن قيام دولة يهودية هو مجرد خطوة سياسية يمكن مناقشة تفاصيلها، وإنما كان تجاوزًا لحدود وضعتها التقاليد الحاخامية أمام الفعل البشري.

فإذا كان الخلاص مرتبطًا بمجيء الماشيح، وإذا كانت "القسمات الثلاث" قد فُهمت باعتبارها تحذيرًا من الصعود الجماعي بالقوة والتمرد على الأمم، فإن إقامة دولة ذات سيادة قبل تحقق الخلاص الإلهي تبدو، في هذه القراءة، محاولةً بشرية لفتح الباب الذي لم يُفتح بعد.

ومن هنا جاء الرفض.

لكن هذا الرفض لم يكن كتلة واحدة.

وهذه من أكثر النقاط التي ينبغي ألا تضيع وسط الجدل السياسي.

الحريديم ليسوا جماعة واحدة

تُستخدم أحيانًا عبارة "اليهود المتدينون" وكأنها تشير إلى موقف موحد، وهذا تبسيط شديد.

العالم الحريدي نفسه متنوع، وفيه مدارس ومذاهب وتيارات تختلف في الفقه، والسياسة، والعلاقة بالدولة، وحتى في درجة رفضها للصهيونية.

هناك من رفض المشروع الصهيوني رفضًا دينيًا كاملًا.

وهناك من رفض الصهيونية كأيديولوجيا قومية، لكنه تعامل مع دولة إسرائيل باعتبارها واقعًا سياسيًا قائمًا.

وهناك من انتقل، مع مرور الوقت، إلى مشاركة سياسية داخل مؤسسات الدولة مع الاحتفاظ بتحفظات دينية عميقة على طبيعتها الأيديولوجية.

وبالتالي، فإن السؤال الصحيح ليس:

هل الحريديم ضد الدولة؟

بل:

أي دولة؟ وبأي معنى؟ وعلى أي أساس ديني؟

وهذا التفريق ضروري لفهم الخريطة الحقيقية للموقف.

ساتمار: الدولة التي جاءت قبل أوانها

من أكثر الأمثلة وضوحًا جماعة ****، المرتبطة بتعاليم الحاخام يوئيل تييتلباوم.

ففي هذا التيار نجد قراءة شديدة الصرامة للقسمات الثلاث، إلى درجة أن قيام دولة يهودية قبل الخلاص المسياني لا يُنظر إليه باعتباره تحقيقًا للوعد، بل باعتباره مخالفةً له.

وهنا تنقلب الصورة تمامًا.

فما تعتبره الصهيونية انتصارًا للتاريخ اليهودي — قيام دولة ذات سيادة — يمكن أن يراه هذا التيار تحديدًا علامة على تدخل الإنسان في ما يجب أن يبقى في يد الله.

إنه انقلاب في معنى "الخلاص".

الصهيوني يقول:

لقد عدنا، ولذلك بدأ الخلاص.

أما الرافض الديني فيقول:

لأن الخلاص لم يأتِ بعد، فإن قيام الدولة لا يمكن أن يكون هو الخلاص.

وبين الجملتين يقف سؤال فلسفي هائل:

هل يستطيع الإنسان أن يصنع ما وعده الله به؟

ناطوري كارتا... الاسم الذي اختزل قضية كاملة

ثم تأتي ****، وهي الجماعة التي أصبحت في الخطاب الإعلامي العربي والعالمي رمزًا لليهودية المناهضة للصهيونية.

لكن اختزال المعارضة الدينية للصهيونية في ناطوري كارتا وحدها خطأ تاريخي وفكري.

فالجماعة نشأت في القدس في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين من أوساط أرثوذكسية راديكالية رفضت الصهيونية، واستندت في موقفها إلى رؤية دينية ترى أن الشعب اليهودي لا ينبغي له أن يؤسس دولة سيادية بالقوة قبل مجيء الماشيح.

وبالنسبة إلى هذا التيار، ليست المسألة أن اليهود لا يملكون حقًا في الوجود أو في الصلاة في القدس، ولا أن الارتباط بأرض إسرائيل غير مقدس؛ بل إن الاعتراض الأساسي يتعلق بتحويل الوعد الديني إلى مشروع قومي بشري.

ومن هنا تأتي المفارقة:

قد يكون رجل الدين اليهودي شديد التعلق بالقدس، شديد الإيمان بقداستها، ومع ذلك يرفض الدولة التي تحمل اسم إسرائيل.

لأن الأرض شيء، والدولة شيء آخر.

والقداسة شيء، والسيادة السياسية شيء آخر.

والعودة شيء، وطريقة العودة شيء آخر.

وهذه التفرقة وحدها كافية لإسقاط كثير من الأحكام السريعة التي تساوي بين اليهودية والصهيونية.

عندما يصبح التاريخ حجة ضد الدولة

كان التيار المناهض للصهيونية يرى أن تجربة اليهود في المنفى لم تكن مجرد حادث تاريخي مؤقت يمكن إلغاؤه بقرار سياسي.

فالشتات، في القراءة الحاخامية التقليدية، لم يكن مجرد فقدان للأرض، وإنما جزء من بنية دينية أوسع: انتظار الخلاص، المحافظة على الشريعة، وصيانة الجماعة حتى يأتي زمن مختلف.

ولهذا فإن الدولة الحديثة، بما تحمله من جيش وحدود وسيادة وقوانين قومية، بدت لبعض الحاخامات شيئًا مختلفًا جذريًا عن مفهوم "العودة" الذي عرفه التقليد.

لقد كان يمكن لليهود أن يعيشوا في أرض إسرائيل، وأن يصلوا في القدس، وأن يدرسوا التوراة، دون أن يعني ذلك بالضرورة إقامة دولة قومية حديثة.

وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات إثارة في تاريخ الصهيونية:

الصهيونية لم تكن أول من حلم بالعودة إلى القدس؛ لكنها كانت من أوائل من أرادوا تحويل هذا الحلم الديني إلى مشروع دولة حديثة.

وهذا هو تحديدًا ما رفضه خصومها الدينيون.

لكن ناطوري كارتا ليست كل القصة

هنا يجب أن نتوقف أمام خطأ شائع آخر.

ليس كل من عارض الصهيونية يشارك ناطوري كارتا دوافعها نفسها.

فهناك تيارات دينية رفضت الصهيونية لأنها رأت فيها تحديًا للعقيدة المسيانية.

وهناك تيارات أرثوذكسية أخرى كانت أكثر براغماتية، ورفضت الأيديولوجيا الصهيونية لكنها تعاملت مع مؤسسات الدولة القائمة.

وهناك تيارات دينية أصبحت، مع الزمن، جزءًا من الحياة السياسية الإسرائيلية، بل شاركت في الحكومات والبرلمان، رغم أن موقفها التاريخي من الصهيونية كان أكثر تعقيدًا من مجرد القبول أو الرفض.

وهذا يعني أن خريطة العلاقة بين اليهودية والدولة لا يمكن رسمها بلونين فقط:

مع الصهيونية / ضد الصهيونية.

فثمة منطقة واسعة بينهما، تتغير فيها المواقف وفق المدرسة الدينية، والمرحلة التاريخية، وطبيعة الدولة، والأسئلة السياسية المطروحة.

المفارقة التي كشفتها الدولة

ربما كان أهم ما كشفه قيام دولة إسرائيل أن الصراع القديم حول "القسمات الثلاث" لم ينتهِ بقيام الدولة.

بل أصبح أكثر تعقيدًا.

فقد كان السؤال قبل قيام الدولة:

هل يجوز إقامة دولة يهودية قبل الخلاص؟

لكن بعد قيامها تحول السؤال إلى:

ماذا يعني أن تعيش في دولة يهودية لم تأتِ بالطريقة التي تصورها التقليد؟

وهنا ظهرت مشكلة جديدة.

فالدولة لم تعد فكرة في الكتب، بل أصبحت جيشًا، وحكومة، وبرلمانًا، وحدودًا، وقوانين، وحروبًا، وعلاقات دولية.

أصبح على الحاخام الذي رفض الدولة نظريًا أن يواجه واقعًا سياسيًا لا يستطيع تجاهله.

وهكذا انتقلت المعارضة من سؤال الوجود إلى سؤال الشرعية.

ومن سؤال:

«هل كان يجب أن تقوم الدولة؟»

إلى سؤال:

«كيف ينبغي لليهودي المتدين أن يتعامل مع دولة قامت بالفعل؟»

وهذه النقلة كانت من أهم التحولات في الفكر الحريدي الحديث.

النص الذي عاد من الماضي

وهنا تعود "القسمات الثلاث" إلى الواجهة.

فالنص الذي كان يبدو قبل قرن من الزمن أقرب إلى بقايا من عالم تلمودي قديم، أصبح فجأة جزءًا من معركة سياسية حديثة.

لقد عاد النص من الماضي ليحاكم الحاضر.

عاد السؤال القديم:

هل يجوز استعجال الخلاص؟

لكن هذه المرة لم يكن السؤال نظريًا.

كانت هناك دولة.

وكان هناك جيش.

وكانت هناك سيادة.

وكان هناك صراع على الأرض.

وكان هناك شعب فلسطيني يعيش داخل هذا التاريخ نفسه، لا خارجه.

وهنا بدأت القضية تتجاوز السؤال اليهودي الداخلي لتصبح قضية سياسية وإنسانية عالمية.

فحين يُستدعى نص ديني قديم لتحديد مشروعية دولة حديثة، فإننا لا نعود أمام خلاف فقهي محض؛ بل أمام سؤال عن العلاقة بين الوعد الديني والواقع السياسي، وعن الحدود التي ينبغي أن تفصل بين الإيمان والتاريخ.

المفارقة الكبرى

قد تكون المفارقة الأكثر إثارة في هذه القصة أن بعض أشد معارضي الصهيونية لم يكونوا أقل تعلقًا بأرض إسرائيل من الصهاينة.

بل ربما كانوا أكثر تعلقًا بها من حيث معناها الديني.

لكنهم اختلفوا في شيء واحد حاسم:

من يملك مفتاح العودة؟

الصهيونية قالت:

الإنسان.

والتيار الحاخامي المناهض للصهيونية قال:

الله.

وبين الإجابتين ولد واحد من أعقد الانقسامات في التاريخ اليهودي الحديث.

ولذلك فإن فهم اليهودية المناهضة للصهيونية لا ينبغي أن يبدأ من الصور السياسية التي تظهر في وسائل الإعلام، ولا من المواقف التي تصدر عن جماعة بعينها، وإنما من السؤال الديني الأعمق الذي يقف خلفها:

هل يجوز للبشر أن يصنعوا الخلاص قبل أن يأذن به الله؟

ذلك هو السؤال الذي جعل "القسمات الثلاث" تنتقل من هامش التلمود إلى قلب السياسة.

لكن هناك قسمًا من القصة ظل طويلًا في الظل.

فالقسمتان الأولى والثانية أصبحتا محور الجدل حول صعود اليهود إلى الأرض والتمرد على الأمم، بينما تراجع القسم الثالث إلى الخلفية:

ألا تضطهد الأمم إسرائيل اضطهادًا مفرطًا.

وهنا تبدأ المفارقة الأخطر.

فإذا كانت "القسمات الثلاث" عهدًا ثلاثيًا، فلماذا بقي القسم الثالث أقل حضورًا في النقاش السياسي الحديث؟

وهل يمكن فصل حق اليهود في ألا يُضطهدوا عن حق الآخرين في ألا يُظلموا؟

ومن هنا نصل إلى المقال السادس:

القسم الثالث المنسي

كيف اختفى التحذير من اضطهاد إسرائيل من قلب الجدل السياسي، ولماذا يصعب فصل حماية شعب من الاضطهاد عن حماية الشعوب الأخرى من الظلم؟

فربما يكون هذا القسم الثالث هو الجزء الأكثر حساسية في القصة كلها؛ لأنه ينقلنا من السؤال عن حق اليهود في الخلاص إلى السؤال الأصعب:

هل يمكن أن يتحول شعبٌ عانى الأضطهاد إلى سلطة تمارس القوة، دون أن يتحول النص الذي حذّر من اضطهاده إلى سؤال عن حدود هذه القوة؟

مقالات الرأي

آخر الأخبار