السبت، 26 سبتمبر 2026 04:11 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: حين تُستدعى الأكاذيب لتحل محل القانون

بوابة المصريين

نتنياهو لم يلقِ خطابًا، بل ألقى حفنة من الأوهام المُعلّبة، وزيّنها بروايات دينية مُنتقاة، وتاريخ مُفبرك، وقانون مُغتصب. خطابه لم يكن دفاعًا عن إسرائيل، بل كان دفاعًا عن نفسه من المحاكمة، وعن حكومته من الإدانة، وعن احتلاله من القانون.

أولًا: الجولان ليس ملكًا لأحد يستدعي "موسى" ليمنحه صك ملكية

نتنياهو يستدعي "التاريخ الديني" ليؤكد أن الجولان يهودي منذ عهد موسى. حسنًا، ولو استدعى كل زعيم في العالم روايته الدينية، لاستدعى أردوغان نصف أوروبا، واستدعى الإيرانيون بابل، واستدعى الصينيون آسيا الوسطى. العالم ليس مملكة دينية، والجولان ليس قطعة أثرية تُباع في مزاد التوراة.

مجلس الأمن قال كلمته: القرار 497 يعتبر ضم الجولان باطلًا وليس له أثر قانوني. هذا ليس رأيًا، بل قانون دولي. ونتنياهو، الذي يتشدق بـ"القانون"، يمارس انتهاكًا صارخًا له. الجولان سوري محتل، وشعب الجولان ليس غنيمة حرب، ولا ورقة تفاوض، ولا مسرحًا لخطابات انتخابية.

ثانيًا: غزة.. إنكار الإبادة لا يمحوها، والخطابات لا تدفن الأطفال

قال نتنياهو إن إسرائيل لا ترتكب إبادة جماعية. لكن ماذا عن 20 ألف طفل قُتلوا؟ ماذا عن مستشفيات دُمرت فوق مرضاها؟ ماذا عن مدارس تحولت إلى مقابر جماعية؟ ماذا عن تجويع ممنهج، وتهجير قسري، وإبادة عائلية كاملة؟

محكمة العدل الدولية قالت إن الاعتبارات الأمنية لا تمنح إسرائيل استثناءً من القانون الإنساني. هذا يعني أن نتنياهو ليس فوق القانون، وأن جيشه ليس محصنًا، وأن "الدفاع عن النفس" لا يبرر قتل 2% من سكان غزة.

العدالة لا تُقاس بجنسية الضحية. الطفلة الفلسطينية ليست "درعًا بشريًا" ولا "خسائر جانبية"، إنها إنسان. ومن ينكر إنسانيتها، ينكر إنسانيته.

ثالثًا: الإعلام ليس عدوًا.. العدو هو الكذب

نتنياهو يتحدث عن "جبهة ثامنة" في الإعلام. لماذا؟ لأن الإعلام الحر يكشف جرائمه. لأنه يذيع صور الأطفال، ويثبت تدمير المستشفيات، ويوثق تهجير العائلات. الصحافة ليست عدوًا لإسرائيل، بل هي عدو للكذب الذي تروجه حكومته.

قطر تمول الجامعات؟ وماذا عن تمويل إسرائيل لجماعات الضغط في أمريكا؟ وماذا عن "مشاريع" تؤثر في الانتخابات؟ إذا كانت الشفافية مطلبًا، فليفتح نتنياهو ملفات تدخل إسرائيل في السياسة الأمريكية، وليكشف عن تمويل "أيباك" و"أصدقاء إسرائيل" في الكونغرس.

رابعًا: معاداة السامية ليست درعًا لحماية المجرمين

نتنياهو يهاجم عمدة نيويورك زهران ممداني، ويتهمه بمعاداة السامية. لكن معاداة السامية الحقيقية هي أن يُقتل يهودي بسبب دينه. أما انتقاد حكومة إسرائيل فليس معاداة للسامية، بل هو واجب إنساني.

اليهود في العالم ليسوا كتلة واحدة. هناك يهود ضد الاحتلال، ويهود ضد نتنياهو، ويهود يرفضون الصهيونية. تحميلهم مسؤولية أفعال حكومة إسرائيل هو عنصرية، وتشويه لمعنى معاداة السامية الحقيقية.

خامسًا: القوة لا تكتب التاريخ.. التاريخ يكتبه الضحايا

نتنياهو قال إن إسرائيل ستنتصر لأنها لا تملك خيارًا آخر. لكن التاريخ يعلمنا أن الجيوش قد تنتصر في الميدان وتخسر في السياسة. إسرائيل قد تدمر غزة، لكنها لا تستطيع تدمير إرادة شعبها. قد تقتل القادة، لكنها لا تقتل الفكرة. قد تحتل الأرض، لكنها لا تحتل التاريخ.

المنصة التي وقف عليها نتنياهو لن تُقاس بخطابه، بل بعدد الضحايا الذين سقطوا بسبب سياساته. التاريخ لا يحتفظ بخطب المنتصرين، بل يحتفظ بصرخات الأطفال، ودماء الأمهات، وأسماء الشهداء.

الخلاصة:

نتنياهو ليس زعيمًا يحمي شعبه، بل زعيمًا يحمي نفسه. خطابه ليس دفاعًا عن إسرائيل، بل دفاعًا عن الاحتلال. واستدعاء التاريخ الديني ليس حجة، بل غطاء لجريمة. والقانون الدولي ليس عائقًا، بل مرآة يخاف نتنياهو أن يرى فيها وجهه الحقيقي.

فلسطين ليست قضية رأي.. إنها قضية حق.
والجولان ليس أرضًا يهودية.. إنه أرض سورية محتلة.
وغزة ليست ساحة تدريب.. إنها مقبرة أطفال صنعها نتنياهو.

والعدالة، مهما تأخرت، لا تنسى.

⇧

مقالات الرأي

آخر الأخبار