هشام بيومي يكتب: إسرائيل بعد انتخابات الكنيست: هل بدأت أزمة المشروع أم أنها أزمة حكومة؟


من تعثر نتنياهو إلى تحذيرات جيفري ساكس بشأن مستقبل الدولة الإسرائيلية
ليست كل الانتخابات التي تعجز عن إنتاج أغلبية برلمانية مجرد أزمة في تشكيل الحكومة؛ فبعض الانتخابات تكشف عن تصدعات أعمق في بنية الدولة، وتعيد طرح أسئلة ظلت مؤجلة لسنوات طويلة. وهذا ما يجعل انتخابات الكنيست الإسرائيلي في أكتوبر 2026 جديرة بالقراءة خارج حدود المنافسة بين بنيامين نتنياهو وخصومه.
فالمشهد لا يتعلق فقط بمعسكر حصل على 53 مقعدًا، وآخر حصل على 48 مقعدًا، وأحزاب عربية باتت تمتلك 19 مقعدًا وفق النتائج الأولية. إنه يتعلق أيضًا بمستقبل النظام السياسي الإسرائيلي، وبالعلاقة بين تعريف إسرائيل لنفسها باعتبارها دولة يهودية، وبين وجود شعب فلسطيني يطالب بحقوقه الوطنية والسياسية على الأرض نفسها.
وهنا تكتسب أفكار الاقتصادي والمحلل السياسي الأمريكي جيفري ساكس أهمية خاصة؛ إذ يطرح سؤالًا يتجاوز مصير نتنياهو الشخصي: هل يستطيع المشروع السياسي الإسرائيلي الاستمرار في صورته الحالية، بينما يظل الصراع مع الفلسطينيين بلا تسوية عادلة ومستدامة؟
أولًا: انتخابات بلا أغلبية.. ماذا تقول الأرقام؟
أظهرت النتائج الأولية للانتخابات التي جرت في 27 أكتوبر 2026 أن معسكر نتنياهو لم يحصل على الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومة، كما لم يتمكن معسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت من بلوغها منفردًا. وفي المقابل، حققت الأحزاب العربية تمثيلًا برلمانيًا لافتًا بلغ 19 مقعدًا وفق التقديرات الأولية.
هذه الأرقام لا تعني سقوط نتنياهو تلقائيًا، ولا تعني أن المعارضة أصبحت قادرة حتمًا على تشكيل الحكومة. لكنها تكشف عن معادلة سياسية معقدة: لا يكفي أن يتصدر معسكر انتخابي النتائج، بل يجب أن يستطيع بناء ائتلاف يضمن له 61 مقعدًا على الأقل في الكنيست.
والأهم أن الأحزاب العربية أصبحت عنصرًا مؤثرًا في الحسابات البرلمانية، رغم اعتراض أحزاب يهودية معارضة على التعاون معها.
وهنا تظهر مفارقة سياسية تستحق التوقف: كيف يمكن لنظام سياسي أن يواجه صعوبة في تشكيل حكومة مستقرة، بينما يظل جزء كبير من الصراع الذي يحدد مستقبل الدولة مرتبطًا بمكانة الفلسطينيين وحقوقهم السياسية؟
إن أزمة الائتلافات لا تثبت وحدها وجود أزمة وجودية للدولة، لكنها توفر نافذة لفهم الانقسامات التي تتجاوز أسماء المرشحين وتوزيع المقاعد.
ثانيًا: جيفري ساكس.. حين يتحول السؤال من نتنياهو إلى مستقبل إسرائيل
في مقابلته مع تاكر كارلسون المنشورة في 28 أكتوبر 2026، تناول جيفري ساكس مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وانتقد المشروع التوسعي المرتبط بفكرة «إسرائيل الكبرى»، معتبرًا أن استمرار السعي إلى الهيمنة العسكرية الإقليمية، مع إنكار الحقوق السياسية الفلسطينية، يقود إلى مأزق استراتيجي.
ولا تنحصر أهمية هذا الطرح في موقف ساكس من الحكومة الإسرائيلية الحالية؛ بل في محاولته الربط بين السياسة الداخلية الإسرائيلية، واستمرار الصراع الفلسطيني، والدور الأمريكي في حماية الوضع القائم.
فوفق رؤيته، لا يمكن بناء سلام مستدام على افتراض أن شعبًا يستطيع الاحتفاظ بحقوقه السياسية كاملة، بينما يُحرم شعب آخر من حقوق مماثلة على الأرض ذاتها.
ومن هنا يطرح ساكس بديلين أساسيين: دولتين، إسرائيل وفلسطين، تتمتع كل منهما بالحقوق السياسية والأمنية؛ أو دولة ديمقراطية واحدة تضمن الحقوق المتساوية للجميع. لكنه يرفض أن تكون الدولة الواحدة مجرد صيغة لفرض السيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيين.
هذا الطرح لا يعني أن ساكس أعلن حتمية زوال إسرائيل، ولا أن الانتخابات الأخيرة أثبتت صحة جميع استنتاجاته. لكنه يضع أمام النقاش السياسي سؤالًا بالغ الأهمية: ما الثمن الذي تتحمله الدولة حين تصبح المحافظة على السيطرة الإقليمية مقدمة على البحث عن تسوية سياسية للصراع؟
ثالثًا: المعضلة بين الدولة اليهودية والمساواة السياسية
تواجه إسرائيل معضلة سياسية تتعلق بكيفية الجمع بين ثلاثة أهداف: الحفاظ على طابعها اليهودي، والسيطرة على الأرض التي تطالب بها القوى القومية الإسرائيلية، وضمان الحقوق السياسية للفلسطينيين.
وتزداد هذه المعضلة تعقيدًا كلما استمر الصراع من دون اتفاق نهائي على الحدود والسيادة والأمن وحقوق الشعب الفلسطيني.
فإذا اتجهت السياسة الإسرائيلية نحو ضم الأراضي الفلسطينية مع استمرار حرمان سكانها من حقوق سياسية متساوية، فإن ذلك يثير أسئلة جدية بشأن طبيعة النظام السياسي وشرعيته الديمقراطية.
وإذا اتجهت إلى دولة واحدة تمنح جميع المواطنين حقوقًا متساوية، فإنها ستواجه سؤالًا مختلفًا يتعلق بمستقبل تعريفها الدستوري والقومي بوصفها دولة يهودية.
أما حل الدولتين، فيفترض وجود إرادة سياسية حقيقية للاتفاق على حدود وسيادة فلسطينية فعلية، وليس مجرد إدارة الصراع أو تأجيله.
وهنا يجب التمييز بين ثلاثة تصورات كثيرًا ما تختلط في النقاش العام:
- الدولة الواحدة: كيان سياسي واحد، وتُحسم طبيعته وفق قواعد المواطنة والحقوق والتمثيل السياسي.
- الدولة الفدرالية: دولة تتوزع فيها السلطات دستوريًا بين حكومة اتحادية ووحدات إقليمية، وقد تكون إحدى الصيغ المقترحة لتنظيم العلاقة بين جماعات وطنية مختلفة.
- حل الدولتين: دولتان مستقلتان، لكل منهما سيادتها ومؤسساتها الوطنية، وفق تسوية متفق عليها.
هذه التصورات ليست مترادفات، ولا يؤدي أحدها تلقائيًا إلى الآخر. كما أن أي صيغة سياسية لا تصبح حلًا مستدامًا لمجرد تغيير اسمها؛ فالمعيار الحقيقي هو ضمان الحقوق والمساواة والأمن والقدرة على ممارسة السيادة.
رابعًا: هل تمثل أزمة نتنياهو بداية تحول استراتيجي؟
لا يجوز التعامل مع تعثر نتنياهو في تشكيل حكومة باعتباره دليلًا قاطعًا على انهيار المشروع الإسرائيلي، لكن من الخطأ أيضًا اختزال الانتخابات في مسألة بقاء رئيس الوزراء أو رحيله.
فنتنياهو ليس المشروع الإسرائيلي كله، كما أن رحيله، إذا حدث، لن يؤدي بالضرورة إلى تغيير جذري في سياسات الدولة تجاه الفلسطينيين.
قد تتغير الحكومة وتبقى السياسات الأساسية كما هي، وقد يتشكل ائتلاف جديد يضم قوى مختلفة من دون أن يقترب من تسوية الصراع. وفي المقابل، يمكن للانقسامات الداخلية أن تفتح المجال أمام مراجعات سياسية كانت تبدو مستبعدة في مراحل سابقة.
وتكمن أهمية النتائج الحالية في أنها تفرض على القوى السياسية البحث عن شركاء لتشكيل الحكومة، وتكشف الوزن البرلماني للأحزاب العربية، وتعيد إلى الواجهة السؤال عن حدود التعاون السياسي معها.
لكن الطريق إلى تحول استراتيجي يتطلب أكثر من مفاوضات ائتلافية؛ إنه يحتاج إلى تغيير في المواقف المتعلقة بالحقوق الفلسطينية، والاستيطان، والحدود، وطبيعة التسوية النهائية.
ولذلك فإن الاختبار الحقيقي ليس ما إذا كان نتنياهو سيبقى في منصبه فحسب، بل ما إذا كانت الحكومة المقبلة ستواصل إدارة الصراع بالطريقة نفسها، أم ستتعامل مع جذوره السياسية.
خامسًا: الولايات المتحدة.. شريك في الأزمة أم طرف في الحل؟
لا يمكن فهم المأزق الإسرائيلي بمعزل عن الدور الأمريكي. فقد شكل الدعم السياسي والعسكري الأمريكي عنصرًا أساسيًا في العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، كما ارتبطت قدرة الحكومات الإسرائيلية على مواصلة سياساتها الإقليمية بدرجة كبيرة بطبيعة هذا الدعم.
وفي مقابلته مع كارلسون، يدعو ساكس واشنطن إلى إعادة النظر في سياساتها، محذرًا من أن الانخراط في مشروع الهيمنة الإقليمية الإسرائيلية قد يفرض على الولايات المتحدة تكاليف استراتيجية ومالية متزايدة.
وهذه نقطة تستحق النقاش، بصرف النظر عن الاتفاق مع جميع استنتاجاته أو الاختلاف معها.
فإذا كانت واشنطن تريد استقرارًا إقليميًا طويل الأجل، فإن دعم الأمن الإسرائيلي لا ينبغي أن يكون منفصلًا عن حقوق الفلسطينيين وأمنهم. كما أن استمرار الصراع يضع السياسة الأمريكية أمام تناقض متكرر بين إعلان دعم حل الدولتين وبين السياسات التي قد تعرقل تحقيقه.
ومع ذلك، لا يكفي صدور تحذيرات من محلل أمريكي لإثبات حدوث تحول في السياسة الرسمية للولايات المتحدة. فذلك يتطلب متابعة القرارات الفعلية المتعلقة بالمساعدات العسكرية، والاستيطان، والاعتراف بالدولة الفلسطينية، والجهود الدبلوماسية.
سادسًا: من أزمة حكومة إلى أزمة تصور للمستقبل
إذا أردنا قراءة المشهد الإسرائيلي بعمق، فعلينا ألا نسأل فقط: من سيشكل الحكومة المقبلة؟ بل أن نسأل أيضًا: ما المشروع السياسي الذي تستطيع هذه الحكومة تنفيذه، وما حدود قدرته على الاستمرار؟
فالمشروع الذي يسعى إلى السيطرة على الأرض مع تأجيل حل قضية سكانها لا يلغي المشكلة؛ بل ينقلها من جيل إلى آخر، ويزيد من تعقيدها.
كما أن استمرار الصراع لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يضع المنطقة بأكملها أمام دورات متكررة من المواجهة وعدم الاستقرار، ويجعل الأمن الإسرائيلي نفسه جزءًا من معادلة إقليمية يصعب فصلها عن حقوق الشعب الفلسطيني.
لكن من الضروري ألا نقع في خطأ معاكس، فنعتبر أن كل أزمة انتخابية تعني قرب انهيار الدولة. فالتاريخ السياسي يعرف دولًا مرت بأزمات ائتلافية حادة واستمرت، كما يعرف أنظمة استطاعت إعادة إنتاج نفسها رغم الانقسامات الداخلية.
لذلك فإن الحديث عن «موت إسرائيل» ينبغي أن يُفهم، عندما يُستخدم في هذا السياق، باعتباره تعبيرًا سياسيًا قد يشير إلى نهاية صيغة معينة من الدولة أو إلى تآكل مشروعها السياسي، وليس خبرًا عن اختفاء وشيك أو حقيقة أثبتتها الانتخابات.
خاتمة: السؤال الذي لا تجيب عنه صناديق الاقتراع وحدها
تكشف انتخابات الكنيست الحالية عن صعوبة تشكيل أغلبية مستقرة، وعن الدور المتزايد للأحزاب العربية في الحسابات البرلمانية. لكنها لا تحسم وحدها مستقبل إسرائيل، ولا تثبت أن حلًا بعينه أصبح حتميًا.
وتكمن أهمية أفكار جيفري ساكس في أنها تنقل النقاش من الأشخاص إلى المبادئ، ومن المنافسة على السلطة إلى السؤال عن طبيعة النظام السياسي الذي يمكن أن يضمن مستقبلًا أكثر استقرارًا.
فإما أن تظل السياسة أسيرة معادلة السيطرة والصراع، أو أن تتجه نحو تسوية تعترف بالحقوق الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني، وتضمن الأمن والحقوق للإسرائيليين أيضًا.
قد تتغير الحكومات، وقد يعود الناخبون إلى صناديق الاقتراع، وقد تتبدل التحالفات داخل الكنيست. لكن هذه التغييرات لن تحل بمفردها التناقضات الأساسية التي يقوم عليها الصراع.
إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان نتنياهو سيغادر السلطة، بل ما إذا كانت إسرائيل قادرة على مراجعة المسار السياسي الذي يجعل استمرار الصراع جزءًا من بنيتها، بدلًا من أن يكون مشكلة تسعى إلى إنهائها.
وهنا تظل الفكرة الأهم في تحذيرات ساكس: إن الأمن لا يمكن أن يتحول إلى مبرر دائم لحرمان الآخرين من حقوقهم، وإن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها أن تقدم حلًا سياسيًا لصراع بين شعبين.
فالانتخابات قد تحدد من يحكم إسرائيل في المرحلة المقبلة، لكنها لن تحدد وحدها شكل المنطقة بعد عشر سنوات. ذلك المستقبل سيتوقف على القرارات التي تتخذها الحكومات، وعلى قدرة المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني، بدعم دولي جاد، على الانتقال من إدارة الصراع إلى تسوية أسبابه.






















