الخميس، 22 أكتوبر 2026 02:48 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

د.امينة زنون تكتب: هل نحن من نستخدم وسائل التواصل الاجتماعي، أم أنها أصبحت تستخدمنا؟

بوابة المصريين


The hooked.....
الهوكد، تعني بالعربية مُتعلِّق بشدة، أو مُدمن على شيء، أو مشدود إليه حسب السياق
I'm hooked on you. أنا متعلّق بك جدًا، أو لا أستطيع التوقف عن التفكير فيك
I'm hooked on this series. أنا مدمن على هذا المسلسل، ولا أستطيع التوقف عن مشاهدته
والHooked
في علم النفس تعبر عن التعلق الشديد بشخص
لدرجة أن يصعب الانفصال عنه، حتى لو كانت العلاقة مؤلمة
فنطلق كلمة هوكد في علم النفس علي التعلق بأى شئ او الإقبال عليه أو الشعور بأنه مدمنه ولن يستطيع التخلي عنه، حسب السياق.
وفي هذا المقال..
سوف نتحدث عن التعلق بأمر خطير للغاية وهو تعلقنا بتلك الشاشة الملعونة فقد أصبحنا متعلقين بها تعلّقًا يشبه الأسر؛ نمد أيدينا إليها كلما شعرنا بالملل، ونلجأ إليها كلما ضاقت بنا الحياة، ونعود إليها حتى في اللحظات التي يفترض أن نكون فيها أقرب إلى أنفسنا وإلى من نحب.
صرنا نتحسس هواتفنا دون سبب، ونفتحها دون رغبة حقيقية، ونتنقل بين صفحاتها وكأننا نبحث عن شيء فقدناه، ولا نعرف ما هو.
يا للمفارقة! صنعنا وسيلة للتواصل، فإذا بها تسرق منّا لحظات التواصل الحقيقي. قرّبت إلينا البعيد، لكنها في أحيان كثيرة أبعدتنا عمّن يجلسون إلى جوارنا، منحتنا القدرة على رؤية العالم، لكنها قد تحرمنا من رؤية تفاصيل عالمنا الصغير.
لقد أصبحنا أسرى الانتباه؛ نمنح الشاشة دقائقنا، ثم ساعاتنا، ثم شيئًا من مشاعرنا، حتى بتنا نشعر بالضيق حين نبتعد عنها، وبالفراغ حين لا نجد ما نتصفحه.
وهنا يفرض مصطلح Hooked نفسه: لسنا مجرد مستخدمين للشاشة، بل قد نصبح عالقين في دائرة من الترقب والمكافأة والتكرار، نبحث عن شيء جديد، فنحصل على لحظة من الإثارة، ثم نعود للبحث من جديد.
والسؤال الأكثر إيلامًا: هل نستخدم الشاشة لنملأ فراغ حياتنا، أم أنها أصبحت تصنع هذا الفراغ بداخلنا كلما ابتعدنا عنها؟

حين تصبح الشاشة خُطّافًا للروح!
هل نحن من نستخدم وسائل التواصل الاجتماعي، أم أنها أصبحت تستخدمنا؟

لم يعد الهاتف مجرد وسيلة للتواصل، ولم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد نوافذ نطلّ منها على العالم؛ لقد تحولت، لدى كثيرين، إلى عالم موازٍ نعيش داخله، ونبحث فيه عن أنفسنا، ونقيس من خلاله قيمتنا، ونستمد منه شعورنا بالوجود
هنا يظهر مصطلح Hooked
أي أن يصبح الإنسان عالقًا بشيء، مشدودًا إليه بدرجة تجعله يعود إليه مرارًا، حتى عندما لا تكون لديه حاجة حقيقية إليه.
يفتح أحدنا هاتفه ليرى رسالة، فيجد نفسه بعد ساعة يتنقل بين مقطع وآخر، وصورة وأخرى، دون أن يتذكر ما الذي جاء من أجله أصلًا!
فما الذي حدث؟ وكيف تحولت دقائق الترفيه إلى ساعات من الاستهلاك، وأصبح الابتعاد عن الشاشة أصعب من الاستمرار في النظر إليها؟
نحن لا نبحث عن المحتوى فقط.. بل نبحث عن الشعور الذي يمنحنا إياه، تكمن إحدى أسرار جاذبية وسائل التواصل في أنها لا تقدم لنا محتوى فحسب، بل تقدم لنا احتمالات متجددة للمكافأة ، إشعار قد يحمل اهتمامًا ننتظره، وتعليق قد يمنحنا شعورًا بالتقدير، وصورة قد تجعلنا نشعر بأننا مرئيون، ورسالة قد تخفف عنا وطأة الوحدة، والأكثر تأثيرًا أن هذه المكافآت ليست مضمونة ولا تأتي دائمًا في الوقت نفسه؛ فقد نجد ما ننتظره، وقد لا نجده. وهذا التفاوت في توقيت المكافأة قد يدفعنا إلى التحقق المتكرر من الهاتف، على أمل أن يكون هناك شيء جديد.
إننا لا ننتظر الإشعار وحده، بل ننتظر الشعور الذي قد يصاحبه ومع التكرار، قد يتحول هذا الانتظار إلى عادة تلقائية، فنفتح الهاتف عند الملل، وعند القلق، وعند الحزن، بل وأحيانًا في اللحظات التي لا نشعر فيها بأي شيء على الإطلاق

الخوارزميات تعرف كيف تُبقيك.. لا كيف تُشبعك.
تُصمَّم كثير من المنصات الرقمية لتشجيع استمرار الاستخدام؛ فالمحتوى المتجدد، والتشغيل التلقائي، والتوصيات الشخصية، والإشعارات، كلها عناصر قد تجعل التوقف أكثر صعوبة، فكلما شاهدنا شيئًا، ظهرت لنا أشياء أخرى تشبه اهتماماتنا، أو تثير فضولنا، أو تستفز مشاعرنا
فنحن لا نختار دائمًا ما نشاهده بإرادتنا الكاملة؛ أحيانًا تقودنا المنصة من محتوى إلى آخر، حتى نجد أنفسنا في نهاية الرحلة وقد استهلكنا وقتًا طويلًا دون هدف واضح
والأخطر أن المحتوى لا يحتاج إلى إسعادنا دائمًا حتى يُبقينا أمام الشاشة؛ فقد يجذبنا الغضب، وتشدنا المقارنة، ويستنزفنا الجدل، وتدفعنا الأخبار المقلقة إلى المتابعة المستمرة، فليس كل ما يجذب انتباهنا مفيدًا لنا، وليس كل ما يصعب علينا تركه يستحق أن نبقى معه.
لماذا أصبحنا أكثر تعلقًا بالشاشات؟
لأن الحياة الواقعية لا تمنحنا دائمًا ما تمنحنا إياه المنصات بالسرعة نفسها..
في الواقع، نحتاج إلى الصبر حتى ننجح، وإلى بذل الجهد حتى نتعلمه وإلى بناء العلاقات حتى نشعر بالانتماء. أما العالم الرقمي فيقدم لنا استجابات سريعة، ومحتوى لا ينتهي، وإمكانية دائمة للحصول على قدر من الاهتمام أو التسلية وقد يجد الإنسان الذي يعاني الوحدة في الشاشة رفيقًا مؤقتًا، والذي يشعر بالملل يجد فيها وسيلة للهروب، والذي يبحث عن التقدير قد يربط قيمته بعدد الإعجابات والتعليقات لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى بديل عن الحياة، ويصبح الهروب من المشاعر أسهل من فهمها ومواجهتها، نحن لا نُدمن الشاشة بالضرورة لأننا نحب كل ما فيها؛ أحيانًا نتمسك بها لأننا لا نعرف ماذا نفعل بالفراغ الذي يظهر عندما نغلقها من التعلّق بالأشخاص إلى التعلّق بالمنصات، ثمة تشابه لافت بين التعلّق المفرط بشخص والتعلّق المفرط بوسيلة رقمية.
ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين الاستخدام المكثف والإدمان بالمعنى السريري؛ فالمهم ليس عدد الساعات وحده، بل مدى قدرتنا على التحكم في الاستخدام، وتأثيره في النوم والعمل والعلاقات والحياة اليومية
الثمن الذي لا نراه.
قد نجلس مع أحبائنا بأجسادنا، بينما تظل عقولنا معلقة بما يحدث على الشاشة
قد نؤجل مهمة مهمة لأن مقطعًا آخر ظهر أمامنا، أو نستيقظ ليلًا لمجرد التحقق من إشعار، أو نقارن حياتنا العادية بلحظات منتقاة من حياة الآخرين، فنشعر بأننا أقل نجاحًا أو جمالًا أو سعادة.
ومع كثرة الانتقال بين المحتويات، قد تتراجع قدرتنا على الاستمتاع باللحظات الهادئة، ويصبح الصمت مملًا، والانتظار ثقيلًا، والجلوس مع أنفسنا أمرًا نبحث عن أي وسيلة للهروب منه.
إن الخسارة الحقيقية ليست في الوقت وحده، بل في قدرتنا على الحضور؛ أن نكون هنا، في اللحظة التي نعيشها، لا في عشرات اللحظات التي نراقبها عبر الآخرين.

⇧

مقالات الرأي

آخر الأخبار