هشام بيومي يكتب: السلام الذي يحمل خريطة الحرب


إسرائيل الكبرى خلف ستار الاتفاقات الإبراهيمية
هناك أسئلة لا ينبغي أن تخيفنا، لأن الخوف من السؤال هو أول الطريق إلى قبول الرواية الجاهزة.
ومن أخطر هذه الأسئلة:
كيف يمكن أن نتحدث عن السلام في الشرق الأوسط، بينما تظهر في قلب المشهد السياسي الإسرائيلي خرائط تتجاوز حدود إسرائيل المعترف بها دوليًا، وتضم أراضي فلسطينية وعربية أخرى؟
السؤال هنا ليس عن قطعة ورق معلقة خلف مسؤول، ولا عن صورة عابرة، ولا عن شعار على بدلة أحد الجنود.
السؤال أعمق من ذلك بكثير.
السؤال هو: أي سلام نريد؟
سلام يعترف بحدود الدول وحقوق الشعوب، أم سلام يعيد ترتيب المنطقة بحيث يصبح التطبيع العربي مع إسرائيل غطاءً سياسيًا واقتصاديًا لمشروع إقليمي أوسع؟
خريطة تقول شيئًا... وخطاب يقول شيئًا آخر
في سبتمبر 2023 وقف بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، متحدثًا عن السلام وعن «شرق أوسط جديد»، وعن احتمال الوصول إلى اتفاق تاريخي مع المملكة العربية السعودية.
وفي اللحظة نفسها تقريبًا، عرض خريطة لإسرائيل لم تُظهر الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية كأراضٍ منفصلة، بل ظهرت ضمن الكيان الإسرائيلي في الخريطة التي حملها أمام العالم.
هنا تصبح الصورة أكثر أهمية من الخطاب.
فالكلمات تستطيع أن تقول: سلام.
لكن الخريطة تستطيع أن تقول: حدود.
والسياسة في النهاية ليست ما تقوله الكلمات فقط، وإنما ما تكشفه الخرائط أيضًا.
إذا كان «الشرق الأوسط الجديد» الذي يجري الحديث عنه يبدأ بإسرائيل، ويمر عبر دول عربية، وينتهي إلى أوروبا، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح هو:
أين فلسطين في هذا الشرق الأوسط الجديد؟
وهل يمكن أن يكون هناك سلام حقيقي بينما تختفي حدود الشعب الفلسطيني من الخريطة؟
اتفاقات أبراهام... السلام أم إعادة تعريف الصراع؟
لا أحد يستطيع إنكار أن اتفاقات أبراهام أحدثت تحولًا كبيرًا في العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التطبيع من وسيلة لتحقيق السلام إلى بديل عن السلام.
فالسلام العربي الإسرائيلي، وفق التصور الذي ساد لعقود، كان مرتبطًا بحل القضية الفلسطينية، وإنهاء الاحتلال، وإقامة دولة فلسطينية، وإيجاد تسوية عادلة للصراع.
أما الصيغة التي ظهرت مع اتفاقات أبراهام فقد أعادت ترتيب الأولويات.
أصبح ممكنًا أن تتوسع العلاقات الاقتصادية والأمنية والسياسية بين إسرائيل وبعض الدول العربية، بينما بقي السؤال الفلسطيني معلقًا.
وهنا تكمن إحدى أخطر التحولات.
فبدل أن يكون الطريق:
حل القضية الفلسطينية ← ثم سلام عربي إسرائيلي شامل
أصبح الطريق:
تطبيع عربي ← تعاون إقليمي ← مصالح اقتصادية وأمنية ← ثم يُترك الملف الفلسطيني للمستقبل.
وهذا ليس مجرد اختلاف في ترتيب الكلمات.
إنه تغيير في بنية الصراع نفسه.
أمريكا... الوسيط أم مهندس النظام الإقليمي؟
الولايات المتحدة لم تكن مجرد شاهد على اتفاقات أبراهام.
واشنطن كانت الراعي والوسيط وصاحبة المشروع الدبلوماسي.
والهدف الأمريكي المعلن كان بناء إطار إقليمي جديد يقوم على تطبيع العلاقات، والتعاون الاقتصادي والأمني، ومواجهة النفوذ الإيراني، وربط حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة بشبكة واحدة.
وهذا في حد ذاته ليس سرًا.
لكن السؤال السياسي المشروع هو:
إذا كان هذا النظام الإقليمي الجديد يُبنى حول إسرائيل، فأين موقع الحقوق الفلسطينية داخله؟
وهنا يصبح الربط بين «اتفاقات أبراهام» وخرائط «إسرائيل الكبرى» مسألة تستحق النقاش، لا لأن الاتفاقات نفسها تنص على مشروع «إسرائيل الكبرى» — فهي لا تفعل ذلك — وإنما لأن هناك تناقضًا سياسيًا واضحًا بين خطاب السلام الإقليمي وبين ظهور شخصيات إسرائيلية مؤثرة تتبنى أو تعرض خرائط توسعية.
وهذا التناقض لا يجوز دفنه تحت السجاد الدبلوماسي.
سموتريتش... عندما تتكلم الخريطة بصوت أعلى من الدبلوماسية
في مارس 2023 ظهر بتسلئيل سموتريتش في باريس خلف منصة تحمل خريطة إسرائيل تضم الأراضي الفلسطينية والأردن.
لم تكن الواقعة من صنع وسائل التواصل الاجتماعي.
كانت أمام الجمهور، وأثارت ردود فعل دبلوماسية، بما فيها استدعاء الأردن للمبعوث الإسرائيلي.
هنا تتضح خطورة المسألة.
لأن سموتريتش لم يكن ناشطًا مجهولًا على الإنترنت.
كان وزيرًا في الحكومة الإسرائيلية.
وبالتالي فإن الخريطة لم تعد مجرد مادة دعائية هامشية.
لقد أصبحت جزءًا من صراع داخل إسرائيل نفسها حول سؤال:
ما حدود الدولة الإسرائيلية؟
لا نخلط بين إسرائيل وإسرائيل الكبرى
وهنا يجب أن نكون دقيقين.
ليس من المنصف أن نقول إن كل الإسرائيليين يؤمنون بمشروع «إسرائيل الكبرى».
وليس صحيحًا أن اتفاقات أبراهام تنص على ضم الدول العربية إلى إسرائيل.
كما أن البادج العسكري المتداول على وسائل التواصل لا يصلح دليلًا على سياسة رسمية للجيش الإسرائيلي.
لكن الخطأ المقابل هو أن نقول إن فكرة «إسرائيل الكبرى» غير موجودة إطلاقًا.
فهي موجودة كتيار أيديولوجي وسياسي داخل إسرائيل، ولها مؤيدون في اليمين الديني والقومي، وظهرت خرائطها علنًا في مناسبات سياسية، ومنها مناسبة ظهر فيها سموتريتش.
إذن القضية ليست اختراعًا.
المفارقة التي تستحق أن يتوقف عندها العرب والعالم هي هذه:
في الوقت الذي يُطلب فيه من العرب أن ينظروا إلى إسرائيل باعتبارها شريكًا في صناعة السلام الإقليمي، تظهر في المشهد السياسي الإسرائيلي خرائط لا تتوقف عند حدود الدولة الإسرائيلية الحالية.
فكيف يمكن أن نبني الثقة إذا كانت الحدود نفسها موضع نزاع؟
كيف نتحدث عن السلام بينما لم يُحسم سؤال الأرض؟
كيف نطلب من الفلسطيني أن يصدق مشروع «السلام الإقليمي» بينما يرى أرض الدولة التي يريدها تختفي من بعض الخرائط السياسية الإسرائيلية؟
وكيف يمكن لدولة عربية أن تدخل في منظومة سلام إقليمية، ثم تستيقظ ذات صباح لتكتشف أن أطرافًا داخل الحكومة الإسرائيلية تتعامل مع أراضي دول عربية أخرى باعتبارها جزءًا من تصور تاريخي أو ديني أو قومي لدولة أكبر؟
فالسلام الذي يخاف من السؤال عن الحدود ليس سلامًا مكتملًا.
في السياسة، الخرائط ليست مجرد رسومات.
الخريطة إعلان عن تصور للأرض.
وحين تُستخدم الخريطة في خطاب سياسي أمام الأمم المتحدة، أو خلف مسؤول حكومي، فإنها تصبح جزءًا من الرسالة السياسية، حتى لو اختلفت دلالتها من حالة إلى أخرى.
ولهذا فإن التعامل مع خرائط «إسرائيل الكبرى» باعتبارها مجرد دعاية هامشية ليس كافيًا.
المطلوب هو شيء أكثر قوة:
أن نقرأ الصورة، ونقرأ صاحبها، ونقرأ المناسبة، ونقرأ السياسة التي جاءت الصورة في سياقها.
السلام الحقيقي لا يحتاج إلى محو أحد
إذا كانت الولايات المتحدة تريد شرق أوسط جديدًا، وإذا كانت إسرائيل تريد توسيع دائرة التطبيع، وإذا كانت الدول العربية تريد الاستقرار والتنمية والتعاون الاقتصادي، فهناك طريق واضح:
أن يكون السلام قائمًا على احترام سيادة الدول، ورفض التوسع بالقوة، وإنهاء الاحتلال، وحماية حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، والاعتراف بأن أمن إسرائيل لا يمكن أن يكون قائمًا إلى الأبد على غياب أمن الآخرين.
أما أن يقال للعرب:
تعالوا إلى السلام...
بينما تظهر في المقابل خرائط تقول:
الأرض لم تُحسم بعد...
فهنا يصبح من حق كل عربي أن يسأل:
أي سلام هذا؟
السلام الذي يحترم الخرائط الدولية؟
أم السلام الذي يعيد رسمها؟
المشكلة ليست في أن تتفاوض إسرائيل مع العرب.
وليست في أن تتبادل الدول العلاقات الدبلوماسية.
وليست في التعاون الاقتصادي أو الأمني.
المشكلة تبدأ عندما يتحول السلام إلى غطاء للإستلاء علي الأرض، وعندما يتحول التطبيع إلى وسيلة لتجاوز القضية الفلسطينية، وعندما تتعايش لغة الدبلوماسية مع خرائط توسعية دون أن يُطرح السؤال عن التناقض بينهما.
السلام الحقيقي يبدأ من قاعدة واحدة:
لا سلام دائمًا مع مشروع يرى أن أرض الآخر يمكن أن تكون يومًا جزءًا من أرضه.
ولهذا فإن أخطر ما في قصة «إسرائيل الكبرى» ليس الخريطة وحدها.
بل أن تتحول الخريطة، بمرور الوقت، من صورة على ورق إلى فكرة سياسية، ثم إلى خطاب، ثم إلى سياسة، ثم إلى أمر واقع.
وهنا تحديدًا يجب أن يتوقف العالم ويسأل:
هل نحن أمام مشروع سلام يعيد رسم مستقبل الشرق الأوسط... أم أمام مشروع لإعادة رسم الشرق الأوسط نفسه؟






















