الأحد، 25 أكتوبر 2026 01:24 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: جائزة نوبل للسلام كإدانة قضائية وأخلاقية للمجازر في غزة

بوابة المصريين

لا يُقرأ منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 للقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بوصفه تقديرًا رمزياً لجهود حقوقية عامة فحسب، بل يُعدّ من الناحية الأكاديمية والقانونية بمثابة تثبيت قضائي ودبلوماسي لتقارير الأدلة ونتائج التحقيق التي وثقت المجازر والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية في قطاع غزة. إن الصلاحيات والخبرات الممتدة لبيلاي في المحاكم الدولية (من رواندا إلى المحكمة الجنائية الدولية) تمنح هذا التكريم ثقلاً قانونياً يتحول بموجبه من مجرد حدث سياسي إلى شهادة إدانة صارخة للممارسات الإسرائيلية، ورداً رادعاً على محاولات التملص من المساءلة الدولية.
1. التأصيل القانوني لإدانات لجنة التحقيق الأممية
تجلت أهمية الدور الذي لعبته بيلاي عبر ترأسها لـ لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة؛ حيث لم تقتصر مخرجات اللجنة على الوصف السياسي، بل اعتمدت منهجية الأدلة المباشرة والمعايير الصارمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
تشمل المرتكزات القانونية الرئيسية للتكييف القضائي الذي أقرته تقارير بيلاي ما يلي:
* تكييف جريمة الإبادة الجماعية (Genocide): اعتمدت التوصيفات القانونية للجنة على ثبوت المكونين الأساسيين للجريمة وفقاً لـ اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (1948):
* الركن المادي (Actus Reus): الاستهداف الممنهج للمدنيين، التدمير الشامل للبنية التحتية والمستشفيات، وفرض ظروف معيشية تستهدف التدمير المادي الكلي أو الجزئي للسكان عبر الحصار والتجويع.
* الركن المعنوي / النية (Mens Rea): استناداً إلى التصريحات العلنية والخطابات الصادرة عن قيادات سياسية وعسكرية إسرائيلية، والتي عكست نية مبيّتة لإلحاق الدمار الشامل بالقطاع.
* الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب: وثقت التقارير ممارسات التهجير القسري، واستهداف الأعيان المدنية والطواقم الطبية والملاذات الآمنة، وهو ما يشكل انتهاكات صارخة لـ اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية، وتستوجب المسؤولية الجنائية الفردية للمسؤولين عنها.
2. تكامل أدوار المحاكم الدولية: من التوثيق إلى أوامر القبض
منح الجائزة لبيلاي يمثل نقطة التقاء محورية بين أجهزة التحقيق الأممية والهيئات القضائية الدولية ذات الاختصاص:
* محكمة العدل الدولية (ICJ): شكلت التقارير والشهادات الصادرة عن لجنة بيلاي مادة مرجعية وأدلة دامغة اعتمدت عليها الدول (مثل الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا) في إثبات وجود خطر وشيك بوقوع إبادة جماعية، مما دعم استصدار التدابير المؤقتة والقرارات الآمرة ضد إسرائيل.
* المحكمة الجنائية الدولية (ICC): أسهم التوثيق الميداني والمستند إلى معايير جمع الأدلة الجنائية في دعم التحقيقات التي يجريها مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية، ووفّر البيئة القانونية اللازمة لإصدار مذكرات اعتقال بحق القيادات الإسرائيلية المتورطة في التخطيط والتنفيذ.
3. الجائزة كإدانة للمنظومة الصهيونية وسقوط "حصانة الاستثناء"
يُفكك هذا التكريم الأطروحة السياسية الإسرائيلية التي طالما تسلحت بالاستثناء من القانون الدولي. فمن خلال تكريم القاضية التي وثقت هذه المجازر، يرسخ المجتمع الدولي الرسائل القانونية التالية:
* نزع الشرعية عن مبررات "الدفاع عن النفس": أكدت القراءة القانونية الصارمة لبيلاي ولجنتها أن ممارسة سلطة الاحتلال لسياسات البطش والقتل الجماعي والحصار لا يمكن درؤها بذرائع الدفاع عن النفس، إذ لا يمنح مبدأ الضرورة العسكرية أي طرف الحق في خرق القواعد الآمرة (Jus Cogens) في القانون الدولي.
* إسقاط سياسة الإفلات من العقاب (Impunity): يمثل منح الجائزة لشخصية قضائية كرست حياتها لملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية تأكيداً على أن الحصانة السياسية التي توفرها بعض القوى الكبرى لإسرائيل لن تحول دون ملاحقتها وإدانتها في الضمير القانوني العالمي.
* تأكيد الطابع الاستعماري والتفريقي (الضلع القانوني للأبارتايد): لم تتوقف إدانات بيلاي عند حدود غزة، بل ربطت المجازر بالحالة البنيوية لنظام الفصل العنصري (الأبارتايد) والاستيطان في الأراضي الفلسطينية، مما يعيد تأطير السلوك الصهيوني كمنظومة قمع استعمارية متكاملة.
خلاصة واستنتاج
إن منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 للقاضية نافي بيلاي ليس مجرد تشريف فردي، بل هو وثيقة إدانة تاريخية ودولية للمجازر الصهيونية الإسرائيلية في قطاع غزة. يكرس هذا القرار انتصار الشرعية الدولية والقانون الدولي الإنساني على منطق القوة والإفلات من العقاب، ويؤكد أن ما شهدته غزة لم يكن مجرد صراع عسكري، بل جرائم مدانة بموجب أرفع المستويات القضائية الدولية والأخلاقية.

⇧

مقالات الرأي

آخر الأخبار