الخميس، 5 نوفمبر 2026 11:33 مـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: نتنياهو وترامب بين الهزيمة الانتخابية وملاحقة 2027

بوابة المصريين

حين تتحول الحروب الخارجية إلى زلازل سياسية داخلية

لم تعد الحرب الإيرانية مجرد مواجهة عسكرية مفتوحة في الشرق الأوسط، ولم يعد تأثيرها محصورًا في موازين القوة الإقليمية أو في حسابات الردع بين واشنطن وطهران وتل أبيب. لقد بدأت الحرب تتحول إلى عامل ضاغط على البنية السياسية الداخلية في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، لتكشف عن حقيقة تاريخية تتكرر كثيرًا: الحروب التي يشنها القادة لتعزيز شرعيتهم قد تتحول، عندما تتجاوز كلفتها حدود الاحتمال الشعبي، إلى أدوات لتقويض هذه الشرعية وإسقاط أصحابها.

إن نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلي، وما أعقبها من مأزق سياسي يهدد قدرة بنيامين نتنياهو على تشكيل حكومة مستقرة، بالتزامن مع الهزيمة الانتخابية الكبرى التي مني بها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، واستعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلسي الكونجرس، تطرح سؤالًا يتجاوز النتائج الانتخابية ذاتها: هل دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة تصبح فيها الحرب الإيرانية نقطة تحول في مستقبل القيادة السياسية لكل من نتنياهو وترامب؟

إن الإجابة لا تتعلق فقط بما جرى في صناديق الاقتراع، بل بما تراكم خلفها من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية، وبما قد تفتحه هذه الأزمات من مسارات للمساءلة والمحاكمة والعزل خلال عام 2027.

أولًا: الحرب الإيرانية.. من مشروع الهيمنة إلى أزمة الشرعية

دخلت إسرائيل والولايات المتحدة الحرب الإيرانية في إطار خطاب سياسي يقوم على ضرورة إنهاء التهديد الإيراني، وتغيير موازين القوة في المنطقة، وتقديم الانتصار العسكري باعتباره ضمانة للأمن القومي.

لكن الحروب لا تُقاس فقط بما تحققه من نتائج عسكرية، وإنما أيضًا بما تفرضه من تكاليف على المجتمعات التي تخوضها.

ففي إسرائيل، ارتبطت الحرب بمخاوف أمنية ممتدة، وتراجع الثقة في قدرة القيادة السياسية على توفير الأمن والاستقرار، فضلًا عن استمرار الأسئلة المتعلقة بإخفاقات 7 أكتوبر 2023.

أما في الولايات المتحدة، فقد انعكست الحرب على أسعار الطاقة، وتكاليف المعيشة، وعلى صورة ترامب باعتباره رئيسًا وعد الأمريكيين بتجنب الحروب الخارجية المكلفة.

وهنا ظهر التناقض الأساسي في خطاب ترامب: فهو الذي قدم نفسه باعتباره الرئيس القادر على إنهاء الحروب، وجد نفسه في مواجهة حرب جديدة تحمل أعباء اقتصادية وسياسية متزايدة.

لقد تحولت الحرب الإيرانية من أداة لتعزيز صورة القيادة إلى اختبار لقدرتها على الاستمرار.

وهذه هي المفارقة الكبرى: عندما يصبح الانتصار العسكري غير قادر على تعويض الخسائر الاقتصادية والاجتماعية، فإن الحرب تنتقل من ميدان الجغرافيا إلى ميدان السياسة الداخلية.

ثانيًا: نتنياهو.. خسارة الأغلبية لا تعني نهاية المعركة

أظهرت انتخابات الكنيست الإسرائيلي تراجع قدرة معسكر بنيامين نتنياهو على الاحتفاظ بالأغلبية البرلمانية. فقد حصل معسكره على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا للمعارضة، بينما حصلت الأحزاب العربية على 19 مقعدًا في الكنيست المؤلف من 120 عضوًا.

وبذلك أصبح تشكيل الحكومة مرهونًا بتوازنات معقدة، في ظل عدم امتلاك أي معسكر للأغلبية المطلوبة، وهي 61 مقعدًا.

لكن أهمية هذه النتيجة لا تكمن فقط في الأرقام، وإنما في الرسالة السياسية التي حملتها.

لقد أصبح نتنياهو، الذي راهن على الحرب باعتبارها وسيلة لاستعادة مكانته السياسية، أمام أزمة جديدة في شرعيته الداخلية.

ومع ذلك، فإن خسارة الأغلبية لا تعني بالضرورة سقوطه الفوري. فقد يتمكن من تشكيل حكومة ائتلافية، أو حكومة وحدة وطنية، أو قد تدفع الأزمة إسرائيل إلى انتخابات مبكرة جديدة.

لكن الأهم أن استمرار نتنياهو في السلطة أصبح أكثر هشاشة، وأن المعارضة باتت تمتلك فرصة تاريخية لإنهاء مرحلة سياسية طويلة.

إن نتنياهو لا يواجه أزمة انتخابية فحسب، بل يواجه تراكمًا من الأزمات: إخفاقات أمنية، وحربًا ممتدة، وانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي، وقضية فساد لا تزال أمام القضاء.

ومن هنا يمكن القول إن انتخابات الكنيست لم تحسم مصير نتنياهو، لكنها فتحت الباب أمام مرحلة قد يصبح فيها خروجه من السلطة أقرب من أي وقت مضى.

ثالثًا: محاكمة نتنياهو في 2027.. السياسة والقضاء في مواجهة واحدة

يواجه نتنياهو محاكمة جنائية في قضايا فساد تتضمن اتهامات بالرشوة والاحتيال وإساءة الأمانة، وهو ينفي ارتكاب المخالفات.

وقد استؤنفت المحاكمة في سبتمبر 2026، مع استمرار مرحلة تقديم أدلة الدفاع، الأمر الذي يجعل صدور حكم نهائي خلال عام 2027 احتمالًا غير مضمون.

لكن التوقع الأكثر أهمية سياسيًا هو أن عام 2027 قد يشهد تصاعدًا في الضغوط القضائية والسياسية على نتنياهو، خصوصًا إذا فقد القدرة على تشكيل حكومة مستقرة.

فوجوده خارج السلطة قد يضعف قدرته على التحكم في المناخ السياسي المحيط بمحاكمته، ويزيد من الضغوط المطالبة بمحاسبته على إخفاقات أمنية وسياسية.

وهنا يجب التمييز بين مسارين:

- المسار القضائي: يتعلق بالقضايا الجنائية القائمة، وما قد تنتهي إليه من أحكام.
- المسار السياسي: يتعلق بمطالب تشكيل لجنة تحقيق مستقلة في إخفاقات 7 أكتوبر، وبمسؤولية القيادة عن الحرب وتداعياتها.

إن الجمع بين هذين المسارين قد يجعل 2027 عامًا بالغ الصعوبة بالنسبة لنتنياهو.

والتوقع السياسي الذي يستحق المتابعة هو احتمال أن تتحول خسارته للسلطة إلى بداية مرحلة من المحاسبة السياسية والقضائية الأكثر اتساعًا.

رابعًا: ترامب.. الهزيمة الانتخابية وتحول الكونجرس إلى مركز للمساءلة

في الولايات المتحدة، حملت انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر 2026 دلالة سياسية واضحة، بعدما استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ.

ولم تكن هذه النتيجة مجرد خسارة انتخابية للحزب الجمهوري، بل كانت تعبيرًا عن تراجع الثقة في إدارة ترامب، خصوصًا فيما يتعلق بالحرب الإيرانية، والاقتصاد، وارتفاع تكاليف المعيشة.

إن خسارة الكونجرس تعني أن ترامب سيواجه خلال العامين المتبقيين من ولايته سلطة تشريعية أكثر قدرة على مراقبة الإدارة، وفتح التحقيقات، وعرقلة بعض السياسات، وفرض شروط على التمويل الحكومي.

وهنا تظهر أهمية عام 2027.

فمع تولي الديمقراطيين اللجان البرلمانية، يصبح من الممكن فتح تحقيقات موسعة في قرارات الحرب، وفي صلاحيات الرئيس العسكرية، وفي إدارة الموارد المالية، وفي ملفات الفساد المحتملة.

لكن السؤال الأكثر إثارة هو: هل سيذهب الديمقراطيون إلى إجراءات عزل ترامب للمرة الثالثة؟

خامسًا: عزل ترامب في 2027.. احتمال سياسي أم مسار دستوري؟

إن استعادة الديمقراطيين مجلس النواب تجعل تقديم قرار عزل ترامب أمرًا ممكنًا من الناحية السياسية والدستورية.

وقد ظهرت بالفعل داخل الحزب الديمقراطي اتجاهات تطالب بفتح تحقيقات في سلوك الإدارة، بينما لا يزال هناك انقسام حول جدوى الانتقال إلى إجراءات العزل.

ومن وجهة نظري، فإن احتمال تقديم قرار جديد لعزل ترامب خلال عام 2027 أصبح أكثر واقعية بعد الهزيمة الانتخابية للجمهوريين.

لكن ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات:

المستوى الأول: التحقيق والمساءلة.

وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا، حيث يستطيع الكونجرس فتح تحقيقات واسعة بشأن الحرب الإيرانية، وتجاوز الصلاحيات الدستورية، وإدارة الملفات الاقتصادية والسياسية.

المستوى الثاني: تقديم قرار العزل.

قد يلجأ الديمقراطيون إلى هذه الخطوة إذا كشفت التحقيقات عن أدلة قوية على ارتكاب مخالفات دستورية جسيمة.

المستوى الثالث: الإدانة وإخراج ترامب من السلطة.

وهذا هو السيناريو الأكثر صعوبة؛ لأن الإدانة في مجلس الشيوخ تتطلب أغلبية الثلثين، وليس مجرد امتلاك الديمقراطيين الأغلبية العددية.

ومن ثم، فإن التوقع الأقرب للتحليل هو أن عام 2027 قد يشهد محاولة جديدة لعزل ترامب، لكن نجاحها في إنهاء رئاسته يظل احتمالًا أقل بكثير من نجاح الديمقراطيين في محاصرته سياسيًا وتشريعيًا.

وقد تصبح الحرب الإيرانية محورًا رئيسيًا في هذه المواجهة، إذا اعتبر الديمقراطيون أن الإدارة الأمريكية تورطت في حرب دون تفويض كافٍ أو دون استراتيجية واضحة للخروج منها.

سادسًا: هل نحن أمام تراجع متزامن للمشروع السياسي الإسرائيلي والأمريكي؟

إن الربط بين انتخابات الكنيست وانتخابات الكونجرس لا ينبغي أن يقوم على التشابه في النتائج فقط، بل على طبيعة الأزمة التي أنتجتها.

في إسرائيل، يواجه نتنياهو صعوبة في تحويل نتائج الحرب إلى أغلبية سياسية مستقرة.

وفي الولايات المتحدة، يواجه ترامب صعوبة في تحويل الحرب إلى رصيد انتخابي، بعدما أصبحت تكلفتها الاقتصادية والسياسية عبئًا على حزبه.

وهذا يعني أن الحرب الإيرانية لم تؤد بالضرورة إلى انهيار القوة العسكرية الأمريكية أو الإسرائيلية، لكنها كشفت عن حدود قدرة القوة العسكرية على إنتاج الاستقرار السياسي.

فالقوة العسكرية قد تحقق مكاسب ميدانية، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة الانقسامات الداخلية، أو إعادة الثقة في القيادة، أو تعويض الخسائر الاقتصادية.

ومن هنا فإن الأزمة الحالية قد تكون بداية تراجع سياسي في قدرة القيادتين على فرض أجندتهما دون مقاومة داخلية واسعة.

لكن هذا التراجع لا يعني بالضرورة نهاية النفوذ الأمريكي أو الإسرائيلي في المنطقة؛ فقد تتغير القيادات، بينما تستمر السياسات الاستراتيجية بدرجات متفاوتة.

سابعًا: الشرق الأوسط في 2027.. ثلاثة سيناريوهات محتملة

يمكن تصور مستقبل المنطقة من خلال ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول: المحاسبة السياسية

يتمكن الديمقراطيون من فتح تحقيقات واسعة في الكونجرس، وتتصاعد الضغوط على ترامب، بينما يفشل نتنياهو في تشكيل حكومة مستقرة، ويواجه ضغوطًا متزايدة للخروج من السلطة.

وفي هذا السيناريو، يصبح عام 2027 عامًا للمساءلة السياسية، وربما لمحاولات العزل والمحاكمات.

السيناريو الثاني: احتواء الأزمات وإعادة إنتاج السلطة

تنجح القيادتان في احتواء الضغوط.

قد يتمكن نتنياهو من تشكيل حكومة جديدة، أو قد تنجح القوى الإسرائيلية في إنتاج قيادة بديلة تحافظ على جوهر السياسات الأمنية.

وفي الولايات المتحدة، قد يتجنب الديمقراطيون العزل، ويركزون على التحقيقات والتشريعات، بينما يحاول ترامب استعادة المبادرة السياسية.

السيناريو الثالث: تصعيد الحرب لتغيير المعادلة

قد تلجأ بعض الأطراف إلى تصعيد عسكري جديد باعتباره وسيلة لتغيير الحسابات السياسية الداخلية.

وهذا السيناريو بالغ الخطورة؛ لأن استمرار الحرب قد يؤدي إلى مزيد من الاضطرابات الاقتصادية، ويزيد من الضغوط على القيادتين، ويخلق ظروفًا أكثر تعقيدًا في الشرق الأوسط.

ولا يمكن استبعاد أن يصبح التصعيد العسكري محاولة للهروب من الأزمات الداخلية، لكن ذلك يظل احتمالًا تحليليًا لا حقيقة مثبتة.

خاتمة: 2027.. عام اختبار الشرعية السياسية

إن ما جرى في انتخابات الكنيست والكونجرس لا يمثل مجرد تغير في توزيع المقاعد، بل يعكس أزمة أعمق في العلاقة بين الحرب والسلطة والشرعية.

لقد راهن نتنياهو وترامب على أن القوة العسكرية قادرة على تعزيز موقعهما السياسي، لكن النتائج الانتخابية أظهرت أن المجتمعات قد تتحول إلى مصدر ضغط على القيادات التي تعجز عن تحويل الحرب إلى أمن واستقرار ورفاه اقتصادي.

ومن هنا، فإن عام 2027 قد يصبح عامًا مفصليًا في مستقبل الرجلين.

ففي إسرائيل، قد تتصاعد احتمالات خروج نتنياهو من السلطة ومواجهته مرحلة أكثر صعوبة من المحاسبة القضائية والسياسية.

وفي الولايات المتحدة، قد تتحول سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس إلى منصة لفتح تحقيقات واسعة، وربما لتقديم محاولة ثالثة لعزل ترامب.

لكن الأهم من مصير الرجلين هو ما إذا كانت هذه التحولات ستؤدي إلى مراجعة حقيقية للسياسات التي دفعت المنطقة إلى الحرب، أم أن تغيير القيادات سيظل مجرد إعادة ترتيب للمشهد دون تغيير جوهري في طبيعة الصراع.

إن التاريخ لا يحاسب القادة فقط على الحروب التي خاضوها، بل أيضًا على قدرتهم على إدراك اللحظة التي تتحول فيها الحرب من وسيلة لتحقيق الأهداف إلى عبء يهدد وجودهم السياسي.

وقد يكون الدرس الأهم من انتخابات 2026 أن صناديق الاقتراع، في واشنطن وتل أبيب، بدأت تقول ما لم تستطع ساحات الحرب أن تقوله: إن القوة لا تمنح السلطة شرعية دائمة، وإن الحروب التي لا تنتهي بانتصار سياسي قد تنتهي بمحاسبة أصحاب القرار.

⇧

مقالات الرأي

آخر الأخبار