السبت، 5 سبتمبر 2026 11:44 مـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: من الغزو الفكري إلى وصاية العقول

بوابة المصريين

منذ أن بدأنا سلسلة «النص الغائب الحاضر»، لم يكن هدفنا الدخول في معركة مع دين أو عقيدة، ولا مهاجمة مؤمنين بسبب اختياراتهم الفكرية والدينية، وإنما كان هدفنا أبعد من ذلك: أن نضع يدنا على الأفكار حين تتحول من قناعات شخصية إلى أدوات للسيطرة على الإنسان، وتشكيل وعيه، ومصادرة حقه في الاختيار.

تحدثنا في المقالات السابقة عن الأقسام الثلاثة التي تكشف كيف يمكن للنصوص والأفكار أن تُقرأ بصورة انتقائية، وكيف يمكن أن يتحول جزء من الفكرة إلى مشروع ثقافي وسياسي يتجاوز حدود الإيمان الشخصي إلى التأثير في المجتمعات وعقول الأجيال الجديدة.

لكن، ونحن نبحث عن مصادر الخطر الفكري الذي يواجه شبابنا، علينا ألا نرتكب الخطأ نفسه الذي نحذر منه: أن نرى الخطر في اتجاه واحد فقط.

فالغزو الثقافي لا يأتي دائمًا من الخارج، ولا يرتدي دائمًا ثيابًا سياسية واضحة.

أحيانًا يأتي الخطر من داخل المجتمع نفسه، ومن داخل المؤسسات التي يفترض أن تكون مصانع للعقل والوعي، مثل الجامعة.

وأحيانًا لا يأتي على هيئة تنظيم أو جماعة، وإنما في صورة فكرة متطرفة تسكن عقل إنسان، ثم تمنحه شعورًا بأنه أصبح صاحب الحق في مراقبة الآخرين، والحكم عليهم، وتأديبهم، وفرض رؤيته الخاصة عليهم.

وهنا نصل إلى الخطر الذي يجب أن نتوقف أمامه اليوم:

خطر «الدواعش الجدد» فكريًا وسلوكيًا، لا بوصفهم تنظيمًا بعينه، وإنما بوصفهم عقلية ترى نفسها صاحبة الوصاية على المجتمع.

العقلية التي لا تكتفي بأن تقول: هذا ما أؤمن به.

بل تنتقل إلى: وهذا ما يجب أن تؤمن به أنت.

ولا تكتفي بأن تقول: هذا لا يناسبني.

بل تقول: إذن يجب أن أمنعك منه.

ولا تكتفي بأن تمارس أخلاقها على نفسها، بل تتحول إلى شرطة أخلاق تراقب ملابس الناس، وكلماتهم، وحياتهم الخاصة، وتبحث عن فرصة لتوبيخهم وإذلالهم باسم الدين أو الفضيلة أو القيم.

وهنا تصبح القضية أكبر من فستان طالبة، وأكبر من حفل تخرج، وأكبر من شخص بعينه.

إنها قضية الحد الفاصل بين النصيحة والوصاية، وبين الأخلاق والقهر، وبين الإيمان الشخصي وتحويل الإيمان إلى سلطة على الآخرين.

ومن هنا تأتي واقعة الطالبة جومانا كمال في جامعة بدر لتفرض علينا وقفة ضرورية.

فإذا صحت التفاصيل المتداولة حول الواقعة، فنحن أمام سؤال لا يجوز أن يضيع وسط الضجيج:

هل الجامعة مكان لتعليم الشباب، أم مكان لإعادة تشكيلهم وفق الرؤية الشخصية لبعض أصحاب السلطة؟

وهل يحق لأي شخص، مهما كان منصبه أو قناعته أو رؤيته الأخلاقية، أن يتجاوز اللوائح والقواعد المعلنة ليصبح وصيًا على مظهر طالب أو طالبة وحياتهما الخاصة؟

هذه الأسئلة لا تخص جومانا وحدها.

إنها تخص كل شاب وفتاة يدخلون الجامعة وهم يحملون أحلامهم، ويبحثون عن العلم، والاستقلال، وبناء الشخصية، ثم يجدون أنفسهم أمام من يريد أن يصنع منهم نسخة طبق الأصل من نفسه.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فكما نحذر من أي مشروع ثقافي خارجي يحاول اختراق وعي شبابنا تحت عناوين براقة، علينا أيضًا أن نحذر من التطرف الداخلي الذي يريد اختطاف عقولهم باسم المقدس والأخلاق.

لا نريد لشبابنا أن يكونوا أسرى لغزو ثقافي يأتيهم من الخارج، ولا أسرى لوصاية متطرفة تأتيهم من الداخل.

نريد لهم شيئًا أبسط وأعظم:

أن يمتلكوا عقولهم.

ولهذا كانت هذه السلسلة، ولهذا تأتي هذه الوقفة.

مقالات الرأي

آخر الأخبار