الأربعاء، 1 يوليو 2026 02:31 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: مراثي إرميا.. النبي الباكي

بوابة المصريين

هي ليست مجرد نص ديني حزين يتغنى بسقوط أورشليم، بل تحوّلت عبر القرون إلى أحد أكثر النصوص تأثيراً في تشكيل الوعي اليهودي التاريخي، ثم لاحقاً في بناء الرواية الصهيونية الحديثة. مراثي إرميا نص كُتب على أنقاض خراب الهيكل الأول ولم يبقَ داخل حدود الطقس الديني، بل خرج إلى السياسة، وإلى الجغرافيا، وإلى مفهوم “الحق التاريخي”، حتى صار جزءاً من البنية الرمزية التي قامت عليها الرواية الإسرائيلية.

في التقليد التلمودي، لا يُقرأ إرميا كنبي بكّاء فقط، بل كنبي الذاكرة القومية. فالحزن في النص ليس بكاءً فردياً، بل مشروع استدعاء دائم لفكرة “المدينة المهدّمة التي يجب أن تعود”. وهنا تظهر نقطة التحول الكبرى: فالتلمود لم يتعامل مع خراب أورشليم كحدث تاريخي منتهٍ، بل كجرح مفتوح يجب أن يبقى حياً في الوعي الجمعي. ومن خلال الطقوس، والأدعية، والصوم، وأدب الشتات، تحولت المراثي إلى آلة ضخّ نفسي مستمر لفكرة الفقد والانتظار والعودة.

هذه الفكرة تحديداً أصبحت لاحقاً حجر الأساس في الرواية الصهيونية الحديثة.

الصهيونية، رغم طابعها السياسي الأوروبي الحديث، احتاجت إلى سردية أعمق من السياسة. كانت تحتاج إلى “ذاكرة مقدسة” تمنح المشروع بعداً يتجاوز الاستعمار التقليدي. وهنا جرى استدعاء إرميا بقوة. فالنص الذي يتحدث عن خراب المدينة وعن شعب تائه وعن وعد بالعودة، كان مثالياً لبناء رواية تقول إن اليهود ليسوا مجرد جماعة مهاجرة إلى فلسطين، بل “شعب يعود إلى أرضه بعد ألفي عام من المنفى”.

ومن هنا يمكن فهم لماذا تحتل أورشليم مكانة شبه أسطورية في الخطاب الإسرائيلي. فالمدينة في العقل التلمودي ليست مجرد عاصمة؛ إنها مركز الكون الرمزي، والنقطة التي يتوقف عندها التاريخ الديني والسياسي معاً. لذلك فإن مراثي إرميا ساهمت في تحويل القدس من مدينة جغرافية إلى فكرة ميتافيزيقية، ومن مساحة سياسية قابلة للتفاوض إلى “وعد تاريخي” لا يقبل المساومة في الوعي الصهيوني.

لكن الأخطر من ذلك أن المراثي ساعدت في بناء ما يمكن تسميته “سياسة الضحية الأبدية”.

ففي كثير من الخطابات الصهيونية الحديثة، يتم ربط كل تهديد معاصر بصورة الخراب القديمة: البابليون، ثم الرومان، ثم محاكم التفتيش، ثم المحرقة، ثم الحروب العربية، كلها تُدمج داخل سردية واحدة تقول إن “العالم يريد دائماً تدمير اليهود”. وهكذا تتحول مراثي إرميا من نص حداد إلى أداة تعبئة نفسية وسياسية تبرر التشدد الأمني، والعسكرة، ورفض التنازل، وحتى توسيع مفهوم الحرب الوقائية.

لقد فهمت الحركة الصهيونية مبكراً أن من يملك الرواية يملك جزءاً كبيراً من المستقبل. ولذلك لم تعتمد فقط على القوة العسكرية أو الدعم الغربي، بل على بناء سردية تاريخية متماسكة تبدأ من الأنبياء وتنتهي بالدولة الحديثة. فإرميا هنا ليس مجرد شخصية دينية، بل أحد “المؤسسين الرمزيين” لإسرائيل المعاصرة.

وفي هذا السياق، يصبح التلمود ليس فقط كتاب تفسير ديني، بل مؤسسة لإعادة إنتاج الذاكرة. فالذاكرة في المشروع الصهيوني ليست ترفاً ثقافياً؛ إنها سلاح سياسي. وكل أمة تستطيع تحويل آلامها القديمة إلى هوية متماسكة تملك قدرة هائلة على تعبئة الأجيال.

غير أن الإشكالية الكبرى تظهر عندما تتحول الذاكرة إلى أيديولوجيا مغلقة. فحين يُختزل التاريخ في ثنائية “الضحية الأبدية” و”الحق المطلق”، يصبح من السهل تبرير إقصاء الآخر أو تجاهل روايته. وهنا تكمن العقدة الأساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي: صدام روايتين تاريخيتين، كل منهما ترى نفسها الامتداد الشرعي للأرض والذاكرة.

الرواية الصهيونية استثمرت مراثي إرميا لتقول إن اليهود عادوا من المنفى إلى وطنهم التاريخي، بينما يرى الفلسطيني أن هذه العودة تحولت إلى اقتلاع لشعب آخر من أرضه. وبين الروايتين يقف التاريخ الحديث بكل تناقضاته: الدين، والاستعمار، والقومية، والذاكرة، والمأساة الإنسانية.

لهذا فإن فهم مراثي إرميا لا ينبغي أن يقتصر على بعدها اللاهوتي، بل يجب قراءتها كنص أسّس لواحدة من أقوى السرديات السياسية في العصر الحديث. فالكلمات التي كُتبت على أنقاض الهيكل قبل قرون طويلة، ما زالت حتى اليوم تتحرك داخل الخطاب الإسرائيلي، وفي الوعي اليهودي العالمي، وفي طبيعة الصراع على القدس وفلسطين.

إنها ليست مجرد مراثٍ على مدينة سقطت، بل مراثٍ تحولت مع الزمن إلى مشروع هيمنة استعمارية

مقالات الرأي

آخر الأخبار