الخميس، 26 مارس 2026 06:10 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: الصهيونية المسيحية.. الإله الذي صنعته السياسة

بوابة المصريين

الجزء الثالث: العقيدة التي تقف خلف ورقة العمل الإبراهيمية"

تقديم: عندما يصبح الدينُ وقوداً للحرب

في مقالينا السابقين، كشفنا المشروع الإبراهيمي من زاويتين: السياسة والعقيدة. تعرّفنا كيف تعمل الإبراهيمية أداةً لتصفية القضية الفلسطينية، وكيف تخترق الهوية والوعي من الداخل. لكن ثمة سؤالٌ جوهري ظلّ يطرق الباب:

من أين جاء هذا المشروع؟ ما الجذر الأيديولوجي العميق الذي يمدّه بدمه وإيمانه ومليارات دولاراته؟

الجواب في كلمتين: "الصهيونية المسيحية."

وهي ليست نظرية مؤامرة، ولا تخمين فكري. إنها حركةٌ دينية سياسية منظّمة، تضمّ عشرات الملايين من الأمريكيين الإنجيليين، تمتلك لوبيات ضاغطة في واشنطن، وتُموّل مشاريع الاستيطان في فلسطين، وتصوّر الحروب في المنطقة على أنها تحقيقٌ لنبوءات الكتاب المقدس. وهي اليوم — في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران — تحتلّ مواقع السلطة في قلب الحكومة الأمريكية ذاتها.

أولاً: ما الصهيونية المسيحية؟

الصهيونية المسيحية أيديولوجيا دينية سياسية تدعو في سياق مسيحي إلى عودة الشعب اليهودي إلى الأرض المقدسة، وترى أن تأسيس إسرائيل عام 1948 جاء وفق نبوءات التوراة، وأن إعادة السيادة اليهودية على فلسطين شرطٌ لازم للمجيء الثاني للمسيح.

لكن لا تغرّنك البساطة الظاهرة لهذا التعريف. فوراءه منظومةٌ لاهوتية وسياسية بالغة التعقيد والخطورة. الصهيونية المسيحية تقوم على أربعة محاور: أن تأسيس إسرائيل عام 1948 يُمثّل بداية الحقبة الإنسانية الأخيرة، وأن الصراع في الشرق الأوسط جزءٌ من مخطط إلهي تسبقه حربٌ كبرى قبيل المجيء الثاني للمسيح، وأن العهد الإلهي مع إسرائيل أبديٌّ وغير مشروط، وأن عدم دعم هيمنة إسرائيل السياسية اليوم يستوجب العقاب الإلهي.

بمعنى آخر: دعم الاحتلال الإسرائيلي فريضةٌ دينية، والتردد في ذلك معصية.

ثانياً: جذور عميقة وتاريخ طويل

الصهيونية المسيحية ليست وليدة اليوم. جذورها الفكرية تمتد إلى الفكر البيوريتاني الإنجليزي في القرن السابع عشر. وقد أشارت المؤرخة الإسرائيلية أنيتا شابيرا إلى أن البروتستانت الإنجيليين الإنجليز نقلوا هذه الأفكار إلى الأوساط اليهودية نحو أربعينيات القرن التاسع عشر.

والمفارقة الصارخة التاريخية أن الصهيونية المسيحية وصلت إلى ذروتها السياسية في بريطانيا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، حيث احتلّ المؤمنون بها مواقع نفوذ في النخبة السياسية البريطانية، وكان من أبرز ثمارها تغيير السياسة البريطانية الرسمية تجاه فلسطين، مما أفضى في نهاية المطاف إلى وعد بلفور عام 1917.

وهكذا فما يبدو عقيدةً دينية تحوّل إلى سياسة دولة، ومن سياسة دولة إلى احتلال أرض. هذا هو الدرس التاريخي الأكثر إيلاماً: حين يُوظَّف الدين لخدمة الاستعمار، يُصبح المحتلّون خادمي نبوءة، والمُهجَّرون عائقاً أمام الإرادة الإلهية.

ثالثاً: من بريطانيا إلى واشنطن.. مركز الثقل ينتقل

في القرن العشرين، انتقلت راية الصهيونية المسيحية إلى الولايات المتحدة، ويعزو كثيرٌ من المؤرخين ذلك إلى صعود اللاهوت التوزيعي الذي يُميّز بين إسرائيل والكنيسة، وانتشاره في أمريكا الشمالية عبر المعاهد اللاهوتية.

وما إن جاء عام 1948 حتى وجدت الحركة في تأسيس إسرائيل تأكيداً "إلهياً" لمعتقداتها. ثم جاءت حرب 1967 لتُضاعف زخمها، وبدأت تتحول من حركة كنسية إلى قوة سياسية منظّمة. بدأت حملات الصهيونية المسيحية للتأثير في السياسة الرئاسية الأمريكية بشكل رئيسي مع حملة رونالد ريغان عام 1980، حين دخلت بثقل في المجهود الانتخابي لإيصاله إلى البيت الأبيض.

رابعاً: عشرة ملايين ناخب ولوبي أقوى من «إيباك»

منظمة "المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل" (CUFI)، وهي أكبر منظمات الصهيونية المسيحية الأمريكية، تدّعي امتلاكها أكثر من عشرة ملايين عضو. وعلى الرغم من أن "إيباك" يُستشهد به كثيراً بوصفه اللوبي الصهيوني الأبرز في أمريكا، فإن الصهيونية المسيحية تُشكّل كتلةً سياسية أكبر حجماً وأكثر ثباتاً في دعمها لإسرائيل.
هذا الثقل العددي يترجم نفسه بصورة مباشرة إلى قرارات سياسية. حين طالب الرئيس بوش في مايو 2002 بانسحاب الدبابات الإسرائيلية من المدن الفلسطينية في الضفة الغربية، تلقّى البيت الأبيض أكثر من مئة ألف رسالة إلكترونية غاضبة من مصادر مسيحية ترفض هذا الموقف.

مئة ألف رسالة في أيام قليلة. هذا ليس ضغطاً شعبياً عابراً، هذا آلة سياسية منظّمة تعمل على مدار الساعة.

خامساً: الصهيونية المسيحية واليوم — حرب إيران بوصفها "نبوءة"

ما كان يبدو حتى وقت قريب ظاهرةً دينية هامشية أصبح اليوم في قلب السلطة. منذ انطلاق الضربات على إيران في الثامن والعشرين من فبراير 2026، رصدت مؤسسة "فريدم أوف ريليجن فاونديشن" أكثر من مئتي شكوى من قادة عسكريين في مختلف أفرع الجيش الأمريكي يُخبرون جنودهم بأن الحرب الجارية مع إيران جزءٌ من مخطط إلهي، مستحضرين أفكاراً كتابية عن "آخر الزمان".

وفي خطبة ألقاها في الأول من مارس، وصف جون هاغي، مؤسس منظمة "المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل"، الحرب بأنها جزءٌ من مخطط إلهي.

ومن أبرز علامات تحوّل الصهيونية المسيحية إلى داخل الحكومة تعيينُ مايك هاكابي سفيراً لأمريكا في إسرائيل عام 2025، وهو القس البابتيستي الذي يُعدّ من أبرز الصهاينة المسيحيين المؤثرين وقاد لسنوات "جولات الأرض المقدسة".

الصورة باتت جليّة: "الحرب على إيران ليست مجرد استراتيجية أمنية، بل هي في ذهن من يديرونها استكمالٌ لنبوءة."

سادساً: التحالف المتناقض — الصهاينة المسيحيون واليهود

ثمة مفارقة مذهلة ينبغي أن تُقال بصراحة. الصهيونية المسيحية هي على الأرجح الحالة الوحيدة المُسجَّلة التي تكون فيها تحقيق مصير أمةٍ أخرى محورَ أيديولوجية شعبية وطنية واسعة الانتشار.

لكن لماذا يدعم هؤلاء اليهودَ بهذه الحرارة؟ الجواب مربكٌ ومزعج في آنٍ واحد. دعم الصهاينة المسيحيين للاستيطان اليهودي في فلسطين ليس من أجل خلاص اليهود، بل هو شرطٌ لخلاص المسيحيين أنفسهم. إنهم يسعون إلى "نهاية الأزمنة" التي سيُهلك فيها غير المسيحيين بينما يصعدون هم إلى السماء.

بمعنى آخر: اليهود في هذه العقيدة ليسوا حلفاء حقيقيين، بل أدواتٌ لسيناريو نهاية العالم. وعلى الرغم من إدراك كثير من القادة الصهاينة اليهود للطابع الانتهازي لهذا التحالف، فإنهم يرحّبون به لأنه يخدم أهدافهم السياسية ويحميهم من النقد.

سابعاً: الصهيونية المسيحية والإبراهيمية — الجذر والفرع

الآن تكتمل الصورة التي رسمناها عبر مقالات ثلاثة:

"الصهيونية المسيحية" هي الجذر الأيديولوجي العميق الذي يمدّ المشروع بشرعيته الدينية وزخمه الشعبي وثقله السياسي في واشنطن.

"صفقة القرن والإبراهيمية السياسية" — التي كشفتها د. هبة جمال الدين — هي الجذع الذي ينقل هذا الزخم إلى السياسة الدولية ومخططات إعادة رسم المنطقة.

"الإبراهيمية المتصهينة في داخل المجتمعات" — التي كشفها د. محمد العوضي — هي الفروع التي تمتد لتخترق الهوية والعقيدة والمناهج والمنابر.

ثلاثة مستويات، مشروعٌ واحد، هدفٌ واحد: "منطقةٌ مُعاد تشكيلها، وفلسطينُ مُصفّاة، وشعوبٌ أُعيد برمجتها."

وقد كشف المجلس الوطني للكنائس الأمريكي عام 2007 أن الصهيونية المسيحية تضرّ بالعدالة والسلام في الشرق الأوسط، وتُعيق إقامة الدولة الفلسطينية، وتُقوّض الحوار بين الأديان لأنها ترى العالم بمنطق ثنائي استثنائي حاد.

خاتمة السلسلة: ثلاثة مقالات ومعركةٌ واحدة

وصلنا معاً إلى نهاية هذه السلسلة الثلاثية، وقد قطعنا رحلةً من السياسة إلى العقيدة إلى الجذور الأيديولوجية البعيدة.

تعلّمنا أن ما يُسمى "الديانة الإبراهيمية" ليس فكرةً وُلدت من رحم التسامح، بل هو مشروعٌ وُلد في حضن الصهيونية المسيحية، وتغذّى على لاهوت "آخر الزمان"، وتشكّل في مختبرات واشنطن، وانطلق ليخترق المنطقة من كل اتجاه.

وتعلّمنا أن الحرب التي تشتعل اليوم من غزة إلى إيران ليست وحيدةً، بل تسير جنباً إلى جنب مع حرب أخرى صامتة، تستهدف لا الأجساد بل الأرواح والهويات والانتماءات.

"الوعيُ هو السلاح الذي يخشاه هذا المشروع أكثر من كل شيء. ومن قرأ هذه السلسلة قد حمل جزءاً من ذلك السلاح."

مقالات الرأي