الثلاثاء، 10 مارس 2026 09:44 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

الجيوسياسية الرقمية لمصر في خارطة القوى العالمية

بوابة المصريين

د. أحمد البحيري

تمثل الجيوسياسية الرقمية مجالاً معاصراً تتقاطع فيه ديناميكيات العلاقات الدولية مع التأثير المتزايد للتقنيات الرقمية، حيث لم يعد الفضاء الافتراضي مجرد بعد منفصل، بل أصبح عاملاً فعالاً في صياغة المشاهد السياسية للصراعات الدولية، إن الانتقال من الاعتبارات الجغرافية التقليدية المتعلقة بالقوة إلى الاعتراف بالأصول الرقمية كموارد استراتيجية يشير إلى تحول عميق في كيفية ممارسة الدول لسيادتها وتأثيرها، وتتضمن هذه الديناميكيات القدرة على التحكم في البنية التحتية المادية، وإدارة تدفقات المعلومات، وحماية السيادة الرقمية التي تضمن استقلالية الدولة في اتخاذ قراراتها التكنولوجية بعيداً عن الضغوطات الخارجية.

وتتحدد السيادة الرقمية للدولة بمدى امتلاكها للسلطة العليا على أصولها الرقمية، بما في ذلك سلسلة القيمة الكاملة: البيانات، البنية التحتية، العمليات، سلاسل التوريد، والمعرفة، وهذا يتطلب استراتيجيات اقتصادية ودبلوماسية متطورة لضمان عدم تحول التبعية التكنولوجية إلى قيد على القرار الوطني، وتؤدي التطورات التكنولوجية المتسارعة، مثل الذكاء الاصطناعي وشبكات الجيل الخامس، إلى تغيير موازين القوى الدولية، حيث تظهر بعض الدول كقوى مهيمنة في المجال الرقمي، مما ينعكس على قوتها العسكرية والاقتصادية، وقد أدى هذا التنافس إلى ظاهرة "تجزئة الإنترنت" (Splinternet)، حيث تتبنى الدول نماذج حوكمة مختلفة؛ فبينما يروج النموذج الأمريكي لشبكة مفتوحة، تتبنى الصين نموذج "السيادة السيبرانية" القائم على الرقابة والتحكم المركزي، في حين يحاول الاتحاد الأوروبي احتلال "موضع ثالث" يركز على الخصوصية والمعايير الأخلاقية.

وتعد مصر أهم ممر لاتصالات الإنترنت العالمية في الوقت الراهن، حيث يمر عبر قاع مياهها الإقليمية وأراضيها ما يقرب من 95% من حركة البيانات العابرة للقارات بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، هذه المكانة الفريدة تجعل من مصر "نقطة اختناق" (Chokepoint) حيوية لا يمكن الاستغناء عنها في خريطة الإنترنت العالمية، حيث تتدفق البيانات عبر البحر الأحمر، لتعبر البر المصري وصولاً إلى البحر المتوسط ومنه إلى أوروبا، وتساهم هذه البنية التحتية في نقل حوالي 17% من إجمالي حركة الإنترنت العالمية، مما يضع مصر في مرتبة استراتيجية تتجاوز بكثير حجم اقتصادها أو سكانها، ومن منظور جيوسياسي فإن السيطرة على هذه الممرات الرقمية تمنح القاهرة نفوذاً كبيراً، ولكنها تفرض عليها أيضاً مسؤولية حماية هذه الكابلات من التهديدات المادية والسيبرانية التي قد تؤدي إلى انقطاعات عالمية كبرى.

لا يقتصر التحول الرقمي على البنية التحتية التقنية، بل يمتد ليشمل إعادة هندسة الخدمات الحكومية. فقد أطلقت الدولة منصة "مصر الرقمية" التي تقدم مئات الخدمات الإلكترونية للمواطنين، مما يقلل من البيروقراطية ويزيد من الشفافية، كما حقق قطاع الشمول المالي قفزات كبيرة من خلال نشر المحافظ الإلكترونية وخدمات الدفع الرقمي، مما ساعد في دمج الاقتصاد غير الرسمي وتعزيز الاستقرار المالي، كما أطلقت مصر الإصدار الثاني من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي (2025-2030) تحت عنوان "الذكاء الاصطناعي الشامل لبناء مصر الرقمية" وتهدف هذه النسخة الطموحة إلى تحويل مصر إلى مركز إقليمي للذكاء الاصطناعي، مع التركيز على الاستخدام الأخلاقي والمسؤول لهذه التكنولوجيا لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وتضع الاستراتيجية أهدافاً واضحة بحلول عام 2030، تشمل زيادة مساهمة قطاع الاتصالات في الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 7.7%، وضمان استفادة 26% من القوة العاملة من أدوات الذكاء الاصطناعي في وظائفهم اليومية. كما تهدف الاستراتيجية إلى زيادة عدد المهنيين المتخصصين في هذا المجال إلى 30,000 شخص، ودعم إنشاء أكثر من 250 شركة ناشئة متخصصة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، كما ترتكز هذه الاستراتيجية على ستة ركائز أساسية: الحوكمة، التكنولوجيا، البيانات، البنية التحتية، النظام الإيكولوجي، والمواهب. وفيما يخص الحوكمة، تسعى الدولة لإنشاء إطار تنظيمي يشمل قانوناً خاصاً للذكاء الاصطناعي ومركزاً للذكاء الاصطناعي المسؤول لضمان الشفافية والمساءلة.

وتحاول مصر أن تقف على أعتاب تحول تاريخي في هويتها الجيوسياسية الرقمية، حيث الانتقال من مجرد "دولة ممر" للكابلات البحرية إلى "قوة تكنولوجية" فاعلة يتطلب استكمال بناء النظام الإيكولوجي الذي يجمع بين البنية التحتية الصلبة، والكوادر البشرية المبدعة، والإطار التشريعي المحفز، ونجاح مصر في الجيوسياسية الرقمية سيعتمد في نهاية المطاف على قدرتها على الحفاظ على "الحياد الاستراتيجي" وسط صراع القوى الكبرى، وتحويل ميزتها الجغرافية إلى نفوذ رقمي مستدام يخدم أهداف التنمية الوطنية ويحمي حقوق مواطنيها في العصر الرقمي.

مقالات الرأي

آخر الأخبار