الثلاثاء، 19 مايو 2026 12:39 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: حرب الأدوات الناعمة — حين يصبح كل شيء سلاحاً

بوابة المصريين

قال قائدٌ عسكري ذكي ذات يوم: "أخطر الحروب تلك التي لا يعرف فيها الضحية أنه في حالة حرب." هذه الجملة هي مفتاح فهم الوسائل التي استخدمتها الصهيونية العالمية وحلفاؤها لنشر الإبراهيمية في العالم العربي والإسلامي. ليست حرب صواريخ تدمّر الأجساد، بل حرب مصطلحات وتمويلات ومناهج وشاشات وبعثات ومؤتمرات — حربٌ تستهدف الوجدان والهوية والانتماء.

بدأت الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني بتنفيذ تكتيك جديد يساعدها على تحقيق استراتيجيتها الكبرى "توسع النفوذ والسيطرة على العالم"، فوجدت في "الدين" كلمة السر التي تفتح المغاليق، وفي حجّة نشر "الود والتسامح" متنفسًا لمخططاتها في المنطقة.

هذا الاكتشاف بالغ الأهمية: الدين كلمة السر. لأن الشعوب العربية والإسلامية التي رفضت كل أشكال الاختراق السياسي والعسكري كانت أكثر عرضةً للاختراق حين يُلبَس هذا الاختراق ثوباً دينياً. ومن هنا جاءت الإبراهيمية: لا بوصفها فلسفةً للتسامح — بل بوصفها جسراً دينياً لتمرير ما عجز السياسي والعسكري عن تمريره.

وهنا نكشف الأدوات التي استُخدمت في تنفيذ هذا المشروع، ونحلّل كيف يعمل كل منها، ولماذا خُتيرت هذه الأدوات بالذات في هذا التوقيت بالذات.

أولاً: الأداة الإعلامية — السيطرة على السردية

ـ الإعلام الصهيوني الناطق بالعربية

اهتمت المنظمة الصهيونية العالمية منذ تأسيسها بالإعلام؛ من أجل الترويج للصهيونية والهجرة إلى فلسطين؛ نشير هنا إلى ما كتبه تيودور هرتزل في افتتاحية العدد الأول من أسبوعية الحركة الصهيونية "دي وولت": "يجب على هذه الصحيفة أن تكون درعًا للشعب اليهودي، وسلاحًا ضد أعداء الشعب".

منذ بداياته الأولى، أدرك المشروع الصهيوني أن الإعلام ليس أداةً مساندة بل ركيزةٌ أصيلة في المشروع. عمل الكثير من السياسيين الصهاينة على اختراق الصحف العربية في العالم العربي من أجل استعراض وجهة النظر الصهيونية للقارئ العربي، وكانوا يرون الحاجة الملحة لإقامة صحيفة صهيونية ناطقة باللغة العربية.

اليوم تطوّر هذا الاختراق الإعلامي من الصحافة الورقية إلى منصات رقمية متعددة. "إسرائيل تتكلم بالعربية" — صفحةٌ على الفيسبوك تُخاطب الجمهور العربي مباشرةً بلغته وبمصطلحاته وبسردية مدروسة تُقدّم المحتوى الإبراهيمي بوصفه "شراكةً إنسانية" لا احتلالاً. هذا الاختراق الإعلامي المباشر للعقل العربي هو أحد أكثر الأدوات خطورةً لأنه يصل إلى الفرد العادي في منزله وعلى هاتفه قبل أن تصل إليه أي قراءة نقدية.

ـ إعادة صياغة المصطلح في الإعلام الدولي

على مدى عقود عديدة حاولت الحركة الصهيونية بسط سيطرتها ونفوذها على العالم، غير أن هذه السيطرة لم تتحقق إلا عقب اكتشافهم للوسيلة الناجحة في تحقيق ذلك ألا وهي وسيلة الإعلام، التي تطورت من مجرد وسيلة نقل الأخبار والمعلومات إلى أداة صانعة للقرارات الهامة والمصيرية على المستوى الدولي، والتي جعلت العالم لا يرى الأشياء إلا من خلال المنظار الذي وضعته على أعينه وسائل الإعلام الواقعة تحت نفوذها وسيطرتها.

وسائل الإعلام الغربية الكبرى — CNN وBBC وNewYork Times وسواها — حين تتناول اتفاقيات إبراهيم، تُقدّمها عموماً بوصفها "سلاماً تاريخياً" لا تطبيعاً مشروطاً. هذا الإطار الإعلامي يعني أن المُعارض للتطبيع يُظهر في الصورة الإعلامية بوصفه "معارضاً للسلام"، في حين أن المُصفّق للاتفاقيات يُقدَّم بوصفه "صوتاً عاقلاً وواقعياً". إعادة صياغة المصطلح هي السلاح الأهم في الترسانة الإعلامية.

ثانياً: الأداة المالية — التمويل بوصفه رافعة نفوذ

ـ الطبقات الثلاث للتمويل

أما تمويل هذه المؤسسات ومشاريعها في مختلف مناطق العالم فيتمّ من قبل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة من خلال التمويل الحكومي والتبرعات الخاصة والمنح وتمويل الجامعات وتمويل من الدول العربية المطبّعة.

ثلاث طبقات من التمويل تعمل في تناسق خفي:

"الطبقة الأولى" — التمويل الحكومي الأمريكي والبريطاني المباشر: وزارات الخارجية والمؤسسات الأكاديمية الغربية تموّل برامج "حوار الأديان" و"الدراسات الإبراهيمية" في الجامعات ومراكز البحث. هذا التمويل يُعطي المشروع هويته الاستراتيجية.

"الطبقة الثانية" — المؤسسات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد: تُضفي على المشروع مشروعيةً دولية واسعة تجعل الاعتراض عليه يبدو "اعتراضاً على المجتمع الدولي."

"الطبقة الثالثة" — الدول العربية المطبّعة: توفّر للمشروع غطاءً عربياً يجعله أكثر قبولاً في الشارع العربي الذي يصعب عليه رفض ما تُقدّمه حكومات عربية.

ـ المنح الدراسية كأداة استقطاب

المنح الدراسية المقدَّمة للطلاب العرب والمسلمين للدراسة في برامج "الدراسات الإبراهيمية" أو برامج "حوار الأديان" في الجامعات الغربية ليست بريئة في معظمها. الطالب الذي يقضي عامين في بيئة أكاديمية تُقدّم الإبراهيمية بوصفها أُفقاً حضارياً رفيعاً يعود إلى بلده حاملاً ذخيرةً مفاهيمية معدّلة — وغالباً بحسن نية كاملة. هذا الاستقطاب الأكاديمي هو أحد أذكى الأدوات لأنه يُنتج مثقفين محليين يُروّجون للمشروع من الداخل.

ثالثاً: الأداة التعليمية — الجيل الذي لا يعرف لماذا؟

ـ استهداف المناهج

الطفل الذي يدرس اليوم أن "إبراهيم أبو الأديان الثلاثة وهي أديانٌ متساوية في القيمة" سيكبر ليرى في التطبيع عودةً طبيعية إلى الجذور المشتركة. هذا الاستهداف التعليمي يعمل على مستويين:

"المستوى الأول — الحذف:" نحو تجريد المناهج الدراسية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والرموز الإسلامية التاريخية وحذف ما يتعلق بالعداء للصهاينة.
حذف كل ما يُعرّف الطالب بطبيعة الصراع الحقيقي مع المشروع الصهيوني.

""المستوى الثاني — الإحلال:"" وضع مادة "الأخلاق" بديلاً عن مادة "الدين" في بعض المدارس الدولية، وإدراج محتوى يُقدّم المشترك الإنساني بين الأديان دون التطرق لخصوصية الإسلام أو مواقفه من قضايا العدل والحق.

ـ الجامعات كمختبرات

مشروع "الدراسات الإبراهيمية" الذي أطلقته جامعة هارفارد ثم انتقل إلى جامعات غربية وشرق أوسطية كثيرة يُنتج باحثين وأكاديميين تشرّبوا المنطق الإبراهيمي بوصفه إطاراً أكاديمياً رصيناً. وحين يعود هؤلاء إلى بلدانهم ليشغلوا كراسي التدريس ومناصب استشارية ومواقع إعلامية، يُصبحون مروّجين طبيعيين للمشروع من داخل المجتمعات.

رابعاً: الأداة الدينية — اختطاف المنابر

ـ استقطاب رجال الدين

الوسيلة الأكثر دقةً وخطورةً في آنٍ واحد. الناس يثقون برجال الدين ثقةً لا يمنحونها لسياسي أو إعلامي. وحين يُسافر الإمام إلى مؤتمر دولي للحوار بين الأديان وتُسمع منه تصريحات تُقارب الرؤية الإبراهيمية، يتسرّب هذا الخطاب إلى الوجدان الشعبي من أقرب أبوابه وأكثرها مصداقيةً.

كما رأى الأمريكي-الصهيوني أن الديانة الجديدة تلعب دوراً كبيراً في نشر مفهوم "الدبلوماسية الروحية" بوصفها مساراً من مسارات التفاوض يستهدف حل النزاع أو منع حدوثه من أجل بناء سلام ديني عالمي، يتم عبر الجمع بين القادة الروحيين والساسة داخل آلية المسار الثاني للمفاوضات، باستخدام المدخل النفسي لدحض الأصولية في الأديان الثلاثة.

"المدخل النفسي لدحض الأصولية" — هذه الجملة تكشف الهدف الحقيقي: ليس بناء جسور التعارف الحقيقي، بل "دحض الأصولية" أي تفكيك الالتزام العميق بالثوابت الدينية التي تجعل المسلم يرفض التطبيع مع الاحتلال بدافع إيماني.

ـ مؤتمرات الحوار الديني وما تُنتجه

ومن الجدير ذكره، أنّ قضية "حوار الأديان" حضرت منذ مرحلة ما بعد الحرب الباردة كمصطلح يُشير إلى التفاعل البنّاء والإيجابي بين الناس، وتحويل حوار الأديان إلى خدمات تُقدّمها الأديان من شأنها بناء جسور تربط بين الشعوب، كمكافحة الملاريا وحملات الإغاثة، فلن يعود دور الأديان إدارة النزاع أو الصراع، وإنّما يغدو فاعلاً على الأرض لخلق سلام ديني عالمي.

حين يُقال صراحةً إن الهدف هو أن "لن يعود دور الأديان إدارة النزاع أو الصراع" — يصبح واضحاً ما يُستهدف: الإسلام الذي يُحكم على الظلم ويُدينه ويَعدّ مقاومة الاحتلال واجباً. هذا الإسلام هو الذي "يُدير الصراع" وفق تعريفهم، وهو المستهدف بالتحييد.

خامساً: الأداة الثقافية والفنية — الاختراق الجميل

ـ السينما والمسلسلات والأغاني

الفن قادرٌ على ما لا يقدر عليه السياسي والعالم معاً: يصل إلى الوجدان مباشرةً دون أن يستأذن العقل. وقد وعى المشروع الإبراهيمي هذه الحقيقة مبكراً. تنتشر في منصات التواصل الاجتماعي مقاطع أغانٍ موجّهة تُمجّد "السلام" بين "أبناء إبراهيم"، وأفلام وثائقية تصوّر "شبان عرب ويهود يكتشفون قواسمهم الإنسانية المشتركة"، وتقارير تُقدّم المواطنين الإسرائيليين في صورة المدنيين البسطاء الباحثين عن السلام.

كل هذا المحتوى المصطنع بعناية يُلين ما أصلّبه التاريخ من قناعات، ويُقنع المشاهد ببطء وجمال أن "الآخر إنسانٌ مثلك" — وهي حقيقةٌ لا خلاف عليها إنسانياً — لكنها تُستخدم لتمرير نتيجة سياسية لا علاقة لها بالإنسانية: قبول الاحتلال بوصفه واقعاً معاشاً بين "أبناء إبراهيم."

ـ السياحة والتطبيع المعماري

"بيت العائلة الإبراهيمية" في أبوظبي لم يكن مجرد مجمع ديني بل كان رسالةً معمارية قصيرة العبارة بليغة الدلالة: "الأديان الثلاثة متساوية في الحقوق والمكانة." حين يُصوَّر هذا المجمع ويُنشر في وسائل الإعلام يُصبح صورةً بصرية راسخة في الذاكرة الجمعية تُقول بلا كلمات إن المسجد الأقصى "موقعٌ مشترك للأديان الثلاثة لا مسجدٌ إسلامي خالص."

سادساً: الأداة الدبلوماسية — المسار الثاني الخفي

ـ "المسار الثاني" وكيف يعمل

المسار الثاني في الدبلوماسية هو المسار غير الرسمي الذي يجمع شخصيات دينية وأكاديمية ومجتمعية بعيداً عن القنوات الرسمية. يتم عبر الجمع بين القادة الروحيين والساسة داخل آلية المسار الثاني للمفاوضات.

الطريقة: يُجمع رجل دين إسلامي ورجل دين يهودي في "ورشة حوار" تبدو طبيعية تماماً. يتبادلان وجهات النظر ويصلان إلى "نقاط مشتركة." ثم يصدر بيانٌ مشترك يُقدَّم للرأي العام بوصفه "تقارباً دينياً تلقائياً" بينما هو في حقيقته نتاجٌ لعملية مُدارة بعناية بتمويل ورعاية محددة. والبيانات المشتركة التي تصدر عن هذه الورش تُغذّي الإعلام الذي بدوره يُغذّي الرأي العام.

ـ الضغط الدبلوماسي على الحكومات

روّج الأمريكي-الصهيوني لمفهوم "الإبراهيمية الجديدة" كديانة مستحدثة تشتق نواميسها من الأديان السماوية الثلاث مستهدفةً الجيل الجديد.

الحكومات العربية التي تعتمد على الدعم الأمريكي — سواء في الأمن أو الاقتصاد أو الغطاء السياسي — تجد نفسها أمام ضغوط دبلوماسية تستوجب منها على الأقل "التسامح مع الخطاب الإبراهيمي" وعدم معارضته علناً. والحكومة التي تُصادر على كتاب ينتقد الإبراهيمية تُعطي رسالةً واضحة: المشروع محمي سياسياً.

سابعاً: الأداة الرقمية — حيث لا حدود ولا بوّاب

ـ وسائل التواصل الاجتماعي كساحة الحسم

أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي ثورةً في عوالِم الاتصال والتواصل والمعلومات، ومسّت بقوة بمنظومات القيم الاجتماعية والثقافية، وتدخلت على نطاق واسع في تغيير البنى والمؤسسات السياسية، وفي التلاعب بموازين القوى السائدة.

وسائل التواصل الاجتماعي هي الأداة الأكثر ثورية في ترسانة المشروع الإبراهيمي لأسباب عدة:

أولاً — الوصول اللامحدود: تصل إلى الجيل الشاب العربي قبل أن تصل إليه أي مؤسسة تعليمية أو دينية تقليدية.

ثانياً — الطابع الترفيهي: المحتوى يُقدَّم في صورة ترفيهية جذابة تُخفف من الحذر النقدي.

ثالثاً — الخوارزميات: يُعزَّز المحتوى الإبراهيمي الملوّن بـ"التسامح" و"الأخوة الإنسانية" لأن الخوارزميات تُفضّل المحتوى العاطفي الإيجابي.

رابعاً — الوصول المباشر: يصل إلى المستخدم في خلوته دون أي وسيط.

ـ الذكاء الاصطناعي والمحتوى المُصنَّع

أحدث التطورات في توظيف الأداة الرقمية هو استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى مُوجَّه بكميات هائلة وبلغات متعددة وبأساليب تبدو أصيلة. مقاطع فيديو تجمع "عرباً ويهوداً في حوار إنساني" يمكن إنتاجها بالآلاف وضخّها في الفضاء الرقمي العربي دون أن يُدرك المُتلقّي أن ما يراه قصيدةٌ في مشروع سياسي.

ثامناً: الأداة الاقتصادية — الترغيب قبل الإقناع

ـ مبدأ "السلام مقابل الازدهار"

ورشة البحرين 2019 التي حملت شعار "السلام من أجل الازدهار" وضعت خمسين مليار دولار على الطاولة مقابل تصفية الحقوق الفلسطينية. هذا الربط بين الامتيازات الاقتصادية وبين القبول الضمني للتطبيع هو إحدى أقوى الأدوات. لأنه يخلق ديناميكيةً داخلية في الدول العربية: رجال الأعمال الذين يرون في العلاقات مع إسرائيل مصالح اقتصادية يصبحون ضغطاً داخلياً على الحكومات لمزيد من التطبيع.

الشركات التكنولوجية الإسرائيلية التي تُقدّم خدماتها للحكومات العربية — من برمجيات المراقبة إلى تطبيقات الخدمات — تُنشئ تبعيةً تكنولوجية هي في الوقت ذاته تبعيةٌ سياسية وضغطٌ نحو التطبيع.

تاسعاً: الأداة السياحية — العيش المشترك كواقع مصطنع

ـ مسار إبراهيم والسياحة الدينية

"مسار إبراهيم" المخطَّط لامتداده 5000 كيلومتر عبر المنطقة بما فيها الأراضي الفلسطينية المحتلة ليس مجرد مسار سياحي. هو برنامجٌ مُصمَّم بعناية: حين يسير مسلمٌ ومسيحيٌّ ويهوديٌّ معاً "على خطى إبراهيم" ويُوثّقون رحلتهم على وسائل التواصل، يُنتجون محتوىً جاهزاً للنشر الإبراهيمي يُرسّخ في الذاكرة البصرية أن "هذه الأرض ميراثٌ مشترك للأديان الثلاثة." وهذا بالضبط يخدم الادّعاء الإسرائيلي بأن للاحتلال مسوّغاً تاريخياً دينياً.

عاشراً: توافق الأدوات — الخطة الكاملة

الذكاء الحقيقي للمشروع الإبراهيمي لا يكمن في أي من هذه الأدوات منفردة، بل في تنسيقها لخلق منظومة متكاملة تُحاصر الوعي من كل الاتجاهات:

الطفل يُدرَّس في المدرسة عن "الأخوة الإبراهيمية." ويُشاهد على التلفاز برامج ترفيهية تُقدّم صورةً إنسانية "عادية" للإسرائيليين. ووالده يتلقى على هاتفه مقاطع من "إسرائيل تتكلم بالعربية." وإمام مسجده يعود من مؤتمر دولي بخطابٍ "معتدل" عن التعايش. والمثقف المحلي الذي درس في الغرب يكتب مقالات تُبدي "دقةً أكاديمية" في تناول المشروع الإبراهيمي بعيداً عن "التشنج." والحكومة تُقدّم كل هذا بوصفه "تسامحاً وانفتاحاً."

الطوق يُحكم من كل اتجاه. والضحية — وهو المواطن العربي المسلم — يجد نفسه محاطاً بخطابٍ إبراهيمي من مصادر تبدو مختلفة ومستقلة، وهي في الحقيقة تيّاراتٌ من نهر استراتيجي واحد.

خاتمة: المقاومة بالوعي أولاً

سحر الصورة الذي وظّفه الصهاينة كان له تأثير سريع ومباشر في تشكيل وتدعيم الاتجاهات السياسية والفكرية.

لكن سحر الصورة ينكسر أمام وعيٍّ راسخ يعرف ما يواجه. الشعب الذي يفهم لماذا يُقال له "أنت أخٌ إبراهيمي" ومن الذي يقولها وبأي غرض — هذا الشعب يستطيع أن يُفرّق بين الحوار الإنساني الحقيقي والتطبيع المُغلَّف بلغة الأنبياء.

الأدوات العشر التي استعرضناها — الإعلام والمال والتعليم والدين والثقافة والدبلوماسية والرقمية والاقتصاد والسياحة والتنسيق — كلها تهدف في نهاية المطاف إلى نفس الشيء: إنتاج "قابلية التطبيع" في الوجدان العربي كما أنتجت الاستعمارية القديمة "قابلية الاستعمار" في الوجدان المستعمَر.

والجواب — كما كان دائماً — هو الوعي. الوعي الذي يُسمّي الأشياء بأسمائها. الوعي الذي يعرف أن إبراهيم الخليل عليه السلام كسّر الأصنام ولم يوقّع اتفاقيات. والوعي الذي يعرف أن الشعب الذي يفهم ما يُراد به لا يُختطف باسم جدّه.

"لن يُشرّق مشروعٌ يتكلم باسم السماء ويخدم الأرض المحتلة" — هذه الجملة هي خلاصة كل ما قلناه.

مقالات الرأي

آخر الأخبار