الخميس، 16 أبريل 2026 03:17 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: تحدى الصمت: كونراد بيركوفيتش يرفع علم إسرائيل ”النازي” في يوم ذكرى المحرقة.. صرخة جريئة ضد ”الرايخ الثالث الجديد”

بوابة المصريين

في لحظة تاريخية مثيرة للجدل، أثار النائب البولندي "كونراد بيركوفيتش"، عضو حزب "الكونفدرالية" اليميني الوطني، ضجة عالمية داخل البرلمان البولندي (السيجم) يوم الثلاثاء 14 أبريل 2026. خلال مناقشة حول التوترات في الشرق الأوسط، رفع بيركوفيتش علماً إسرائيلياً معدلاً، حيث استُبدلت نجمة داود بصليب معكوف نازي، وصرح قائلاً: "إسرائيل ترتكب إبادة جماعية أمام أعيننا بوحشية بالغة. إسرائيل هي الرايخ الثالث الجديد، ويجب أن يكون علمها مطابقاً تماماً لهذا".

لم يكن الكلام مجرد استفزاز بليغ؛ فقد ربط بيركوفيتش تصرفات إسرائيل في غزة بجرائم النازية التاريخية، مشيراً إلى استخدام قنابل الفوسفور الأبيض المحظورة دولياً، وقتل أطفال فلسطينيين بأعداد تفوق عشرات المرات ما حدث في حرب أوكرانيا، وما وصفه بـ"التطهير العرقي" في لبنان واليمن. كان التوقيت مدروساً وجريئاً: يوم ذكرى المحرقة النازية (يوم الهولوكوست) في إسرائيل، ليذكر العالم بأن "المحرقة" لا تقتصر على الماضي، بل تتكرر أمام أعيننا اليوم.
ردت وزارة الخارجية الإسرائيلية وسفارتها في وارسو بسرعة وشدة، واصفة الفعل بـ"الرعب المعادي للسامية" و"تدنيس ذكرى الستة ملايين يهودي الذين قُتلوا على يد النازيين". اعتبرت الخارجية الإسرائيلية أن رفع العلم المشوه "عمل مقزز يستحق عقوبات"، ودعت القيادة البولندية إلى إدانته بأقوى العبارات. هذا الرد لم يكن مفاجئاً؛ فهو يعكس حساسية إسرائيل تجاه أي مقارنة بين سياساتها الحالية والنازية، خاصة في يوم يُفترض أن يكون يوم تضامن مع الضحايا. لكن هذا الرد نفسه يثير تساؤلاً: لماذا يُعتبر انتقاد جرائم حرب حالية "معاداة للسامية"، بينما يُطالب العالم بمحاسبة الجميع على جرائم الماضي؟

تعرض بيركوفيتش لهجوم عنيف داخل بولندا وخارجها. طالب رئيس البرلمان البولندي فلودزيميرز تشارزاستي بمعاقبته، ووصف الفعل بـ"الفضيحة"، بينما دعا نواب من الائتلاف الحاكم إلى إحالة الكلام إلى المدعي العام لمحاكمته جنائياً. وزارة الخارجية البولندية أدانت استخدام الصليب المعكوف، معتبرة أنه "مسيء للذاكرة التاريخية". حتى نواب المعارضة انضموا إلى الجوقة، معتبرين الفعل "خطاً أحمر". هذا الهجوم المنسق يعكس مدى نفوذ اللوبي الإسرائيلي في أوروبا، وخوف السياسيين التقليديين من أي صوت يتحدى الرواية الرسمية.


رغم الحملة، لم يكن بيركوفيتش وحيداً. تلقى تأييداً واسعاً من قاعدة حزب "الكونفدرالية" الوطنية، ومن نشطاء بولنديين يرون فيه رمزاً للاستقلال الوطني عن الضغوط الخارجية. على وسائل التواصل، انتشرت دعوات لدعمه، مثل "كونراد بيركوفيتش على حق تماماً" و"دعونا نعطيه 6 ملايين إعجاب لشجاعته"، مع تعليقات من بولنديين يؤكدون: "الشعب البولندي يدعم بيركوفيتش بالكامل". كما حظي بتأييد قوي من الأوساط العربية والإسلامية والناشطين المؤيدين لفلسطين، الذين اعتبروه صوتاً جريئاً يكشف "الإبادة الجماعية" في غزة. هذا التأييد يثبت أن الرأي العام العالمي يتغير، وأن أصواتاً متزايدة في أوروبا ترفض الصمت أمام الجرائم المستمرة.

سياسياً، يمثل فعل بيركوفيتش نقطة تحول في الخطاب الأوروبي. بولندا، التي عانت أكثر من غيرها تحت الاحتلال النازي (17% من سكانها قُتلوا)، تملك مصداقية أخلاقية فريدة للحديث عن "المحرقة". عندما يقف نائب بولندي ويقارن بين النازية التاريخية والسياسات الحالية في غزة – حيث يُقتل آلاف الأطفال ويُستخدم السلاح المحظور – فإنه يذكر العالم بأن شعار "لن يتكرر أبداً" أصبح كذبة إذا لم يُطبق على الجميع. هذا ليس "معاداة للسامية"، بل رفض للازدواجية: تذكر ضحايا الأمس مع تجاهل ضحايا اليوم.

في سياق أوسع، يعكس الفعل انهيار الإجماع الغربي غير المشروط على إسرائيل. مع تصاعد الاحتجاجات العالمية ضد الحرب في غزة، وتقارير منظمات حقوقية عن "إبادة جماعية"، أصبح الصمت خيانة. بيركوفيتش مارس حرية التعبير البرلمانية بأقصى صورها، مستخدماً رمزاً صادماً ليجبر الجميع على النظر إلى الحقيقة. حزب "الكونفدرالية"، المعروف باستقلاليته، يثبت مرة أخرى أنه يمثل صوت الأقلية الشجاعة التي ترفض الخضوع للضغوط الخارجية أو اللوبيات.

دعم بيركوفيتش ليس دفاعاً عن "الكراهية"، بل تأييد للحقيقة والشجاعة في زمن الخوف. في عالم يُكمم فيه الأصوات الناقدة لإسرائيل تحت تهمة "معاداة السامية"، يصبح رفعه للعلم المعدل عملاً بطولياً يفتح نقاشاً ضرورياً: هل يحق لدولة أن ترتكب جرائم تحت غطاء "الدفاع عن النفس" دون محاسبة؟ بولندا، وأوروبا، وكل من يؤمن بحقوق الإنسان، مدينون لهذا النائب الجريء. "الرايخ الثالث الجديد" ليس اتهاماً عشوائياً؛ إنه تحذير تاريخي يجب أن يُسمع.

مقالات الرأي

آخر الأخبار