الثلاثاء، 26 مايو 2026 02:47 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: الأساطير وإسرائيل الكبرى

بوابة المصريين

منذ عقود، تُستخدم بعض النصوص الدينية والتفسيرات التوراتية في بناء خطاب سياسي واستراتيجي داخل المشروع الصهيوني، خاصة ما يتعلق بفكرة “إسرائيل الكبرى” الممتدة من النيل إلى الفرات. وفي قلب هذا الجدل تقف شخصية إشعياء النبي، بوصفه أحد أبرز أنبياء العهد القديم الذين تُستدعى نصوصهم في الخطاب الديني والسياسي المعاصر، سواء داخل التيارات الصهيونية الدينية أو في أدبيات “المشروع الإبراهيمي” الحديث.

لكن السؤال الأهم ليس: ماذا قال إشعياء؟
بل: كيف تحولت النبوءة الدينية إلى أداة جيوسياسية؟

في الفكر السياسي الحديث، تتحول الأساطير المؤسسة إلى وقود استراتيجي. الإمبراطوريات لا تتحرك بالدبابات فقط، بل تتحرك أيضًا بالرموز، والوعود المقدسة، والسرديات التي تمنح المشروع السياسي شرعية تتجاوز القانون والجغرافيا. ومن هنا يمكن فهم كيف استُخدمت نصوص دينية قديمة لتبرير التوسع، أو لبناء هوية قومية ذات طابع “اختياري إلهي”.

في بعض قراءات سفر إشعياء، تظهر صورة “الشعب المختار” الذي يعود من الشتات ليقيم دولة قوية تحيط بها الأمم الخاضعة أو المتحالفة. هذه القراءة لم تبقَ في نطاق اللاهوت، بل تسربت إلى العقل الاستراتيجي للحركة الصهيونية منذ أواخر القرن التاسع عشر، خصوصًا لدى التيارات التي رأت أن إقامة الدولة ليست مجرد مشروع قومي، بل تحقيق لوعد إلهي.

ومع تأسيس إسرائيل عام 1948، بدأت فكرة “الحدود التوراتية” تتحول من حلم ديني إلى خطاب سياسي متكرر، يظهر أحيانًا بشكل مباشر، وأحيانًا عبر خرائط، أو تصريحات، أو مناهج تعليمية، أو حتى رموز دينية داخل المؤسسة العسكرية والسياسية. وقد غذّت حروب المنطقة هذا التصور، خصوصًا بعد حرب 1967، حين شعرت قطاعات واسعة من التيار الديني القومي أن “النبوءة تتحقق على الأرض”.

لكن من المهم التمييز بين أمرين:

اليهودية كدين متنوع المدارس والتفسيرات.

الصهيونية كمشروع سياسي استخدم الدين أحيانًا لتبرير أهدافه.


فليس كل يهودي يؤمن بإسرائيل الكبرى، وليس كل تفسير ديني يقود بالضرورة إلى مشروع توسعي. بل إن داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه توجد تيارات ترفض توظيف النصوص المقدسة في السياسة، وترى أن الدولة الحديثة لا ينبغي أن تتحول إلى دولة نبوءات.

أما في الوعي العربي والإسلامي، فإن فكرة “إسرائيل الكبرى” لم تُقرأ باعتبارها مجرد خيال ديني، بل باعتبارها مشروعًا استراتيجيًا طويل الأمد يقوم على عدة أدوات:

1. تفكيك الدول المحيطة عبر الصراعات الداخلية.


2. الهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية بدل الاحتلال المباشر فقط.


3. إعادة تشكيل الوعي الثقافي عبر التطبيع الناعم.


4. بناء تحالفات إقليمية تجعل إسرائيل مركزًا وظيفيًا في المنطقة.


5. تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر إلى ملف إنساني أو اقتصادي.

ومن هنا يظهر البعد الأخطر:
فالمشروع الحديث لا يتحرك دائمًا بالدبابة، بل بالشبكات الاقتصادية، والإعلام، والتكنولوجيا، وإعادة تعريف العدو والصديق.

لقد أدركت الحضارات الكبرى عبر التاريخ أن السيطرة الحقيقية تبدأ من العقل. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمة العربية ليس فقط التهديد العسكري، بل فقدان البوصلة الفكرية والحضارية. حين تفقد الأمة قدرتها على إنتاج المعرفة، وقراءة التاريخ، وصناعة مشروعها المستقل، تصبح مجرد ساحة لمشروعات الآخرين.

في المقابل، فإن الرؤية الإسلامية التاريخية لم تكن قائمة على “الوعد العرقي”، بل على فكرة الاستخلاف المرتبط بالعدل والعمل والأخلاق. فالقوة في التصور الإسلامي ليست امتيازًا أبديًا لشعب بعينه، بل مسؤولية حضارية تسقط حين يسقط العدل. ولهذا سقطت إمبراطوريات كثيرة رغم قوتها العسكرية، لأن التاريخ لا تحكمه القوة وحدها، بل تحكمه أيضًا قوانين الحضارة والانهيار الداخلي.

إن قراءة نبوءات إشعياء أو غيرها من النصوص يجب ألا تتحول إلى حالة من الهلع أو الاستسلام، بل إلى فهم أعمق لكيف تُصنع المشاريع الكبرى. فالأمم التي تمتلك رؤية استراتيجية طويلة النفس تستطيع تحويل الأسطورة إلى مشروع، بينما الأمم الغارقة في الانقسام تتحول إلى مجرد رد فعل دائم.

وفي النهاية، ربما لا تكون المعركة الحقيقية على الأرض فقط، بل على معنى الأرض، وعلى الرواية، وعلى الوعي.
فمن يملك الرواية...يملك جزءا كبيرا من المستقبل.

مقالات الرأي