هشام بيومي يكتب: الإبراهيمية بين السياسة والعقيدة


هشام بيومي يكتب:
الإبراهيمية بين السياسة والعقيدة
في زمنٍ تتشابك فيه الحروب وتتعدد أسلحتها، ثمة معركةٌ تجري في صمت، لا تُسمع فيها طلقةٌ واحدة، ولا تُرى فيها دبابةٌ تتقدم. معركةٌ تُخاض بالمصطلح والمنهج والشاشة والمنبر. وضحاياها ليسوا أجساداً تسقط، بل هويّاتٌ تذوب، وعقائدُ تتآكل، وقضايا تُنسى.
هذه المعركة اسمها: الإبراهيمية.
حين قرّرنا أن نكتب هذه السلسلة، لم يكن الدافع فضولاً أكاديمياً، بل كان الدافع ما نراه حولنا من نارٍ وحديد ودم. فبينما تشتعل المنطقة من غزة إلى إيران، وبينما يُعاد رسم الخرائط بالقوة الغاشمة، يعمل في الظل مشروعٌ موازٍ لإعادة رسم الهويات والعقائد والانتماءات. ومن لا يرى المعركتين معاً لا يفهم ما يجري.
في الجزء الاول تعرضنا الكتاب الأول هو "الديانة الإبراهيمية وصفقة القرن" للدكتورة هبة جمال الدين، أستاذة العلوم السياسية والدراسات المستقبلية، الصادر عن الدار المصرية اللبنانية عام 2022. وهو كتابٌ يعمل بمشرط الباحثة السياسية الرصينة، يُشرّح المشروع الإبراهيمي من الأعلى: الجيوسياسة، والاتفاقيات، وصفقة القرن، وإعادة هندسة المنطقة.
الكتاب الثاني هو "الإبراهيمية المتصهينة" للدكتور محمد العوضي، الصادر عام 2025. وهو كتابٌ يعمل بمشرط المفكر الإسلامي المدرك، يدخل إلى الداخل ويُشرّح المشروع من أسفل: كيف يخترق العقيدة، وكيف يُفكّك الهوية، وكيف يصل إلى الإنسان العادي في مسجده وفصله وشاشته.
قراءة في كتاب "الإبراهيمية المتصهينة"
للدكتور محمد العوضي"
تقديم: حيث انتهى المقال الأول يبدأ هذا المقال
استعرضنا كتاب الدكتورة هبة جمال الدين "الديانة الإبراهيمية وصفقة القرن"، وكشفنا كيف أن هذا المشروع ليس دعوةً دينية للتقارب بل ورقةُ عملٍ أمريكية صهيونية، وظيفتها تمرير التطبيع والتنازل عن فلسطين عبر الوجه الناعم للسياسة. وكان تحليلنا يومها يتحرك في عالم الجيوسياسة والمشاريع الكبرى.
لكن ثمة سؤال ظلّ معلّقاً: كيف يصل هذا المشروع إلى الإنسان العادي، إلى الشاب في مسجده، إلى الطالب في فصله، إلى المؤمن في خلوته؟
هنا بالضبط يبدأ كتاب الدكتور محمد العوضي "الإبراهيمية المتصهينة". إن كانت د. هبة جمال الدين قد رسمت الخريطة الاستراتيجية للمشروع من الأعلى، فإن العوضي يدخل إلى الداخل، ويريك كيف تعمل الآلة في التفاصيل اليومية، في المنهج، في المنبر، في الشاشة، في المصطلح.
أولاً: الإبراهيمية منظومة لا شعاراً
أولى الدروس التي يقدّمها العوضي — وهي درسٌ جوهري لكل من يظن أن "الإبراهيمية" مجرد موضة فكرية عابرة أو شعار دبلوماسي — هو أن هذا المشروع "منظومةٌ متكاملة الأركان، لا مجرد كلمة براقة".
إنها منظومة ذات ثلاثة أعمدة: "عقيدة تُؤسِّس، واقتصاد يخدم، ودول تدعم". وما لم تُفهم هذه الأركان الثلاثة معاً، سيظل المراقب يرى أجزاء من الصورة ويفوته الكل.
العمود العقدي يقوم على فكرة واحدة مسمومة: "أن الأديان الثلاثة — الإسلام والمسيحية واليهودية — هي في جوهرها دينٌ واحد، يلتقي في جدّه إبراهيم." وهذه الفكرة تبدو في ظاهرها دعوةً للتسامح والأخوة، لكنها في باطنها تعني: "لا فرادة للإسلام، ولا خاتمية للنبوة، ولا حقيقة مطلقة لأي دين". إنها نسبية دينية مُسلَّحة.
أما العمود الاقتصادي فيتجلى في شبكة المؤسسات والمنتديات والمشاريع التي تُموَّل بسخاء لترويج هذا الخطاب، من جامعات غربية إلى منتديات حوار ديني إلى برامج تبادل ثقافي. والعمود الثالث هو الدول التي تقف وراء هذا المشروع، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتان تريان في الإبراهيمية أداةً استراتيجية لا تقل أهمية عن الأسلحة والاقتصاد.
ثانياً: كيف تصطاد الإبراهيمية فرائسها؟
يكشف العوضي بتفصيل لافت "الآليات العملية" التي يستخدمها المشروع للوصول إلى العقول والقلوب:
ـ توظيف المنابر والشخصيات الدينية
لا تستطيع الإبراهيمية أن تخترق الوعي الإسلامي من الخارج، فهي تحتاج إلى وجوه مألوفة ومقبولة. لذا تعمل على استقطاب رجال دين وإعلاميين ومثقفين، تُتاح لهم المنابر وتُفتح لهم الشاشات، ليُرسّخوا بلغة دينية مقبولة أفكاراً تخدم المشروع. وكثير من هؤلاء لا يدركون أنهم يُؤدّون دوراً في مسرحية كبرى كُتبت في مكان آخر.
ـ تنفيذ توصيات "راند"
يلفت العوضي الانتباه إلى ما كشفته وثائق مؤسسة "راند" البحثية الأمريكية من خططٍ لإعادة هيكلة الإسلام من الداخل، عبر دعم التيارات الحداثية "المعتدلة" وإضعاف التيارات التقليدية الرافضة للهيمنة. والإبراهيمية في هذا السياق ليست إلا توصيةً من توصيات "راند" وقد أُلبست ثوباً دينياً وانطلقت إلى الميدان.
ـ مبادرات الواجهة الحضارية
يستعرض الكتاب أمثلة على مبادرات مموّهة كـ"منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" و"بيت العائلة الإبراهيمي" في أبوظبي، التي تُقدِّم نفسها بوصفها منارات للتسامح والحضارة، لكنها في حقيقتها مختبراتٌ لصياغة إسلام مُهذَّب ومُروَّض، لا يُزعج أحداً ولا يرفض شيئاً.
ثالثاً: الأهداف الثلاثة الكبرى
يُحدِّد العوضي ثلاثة أهداف متكاملة يسعى المشروع إلى تحقيقها:
الهدف الأول — هدم التوحيد:
وهو أخطر الأهداف وأعمقها، إذ يعمل على تسوية الإسلام مع الديانات الأخرى تحت سقف واحد، مما يعني في نهاية المطاف القضاء على مفهوم الإسلام بوصفه دين الحق الخاتم. فإذا أصبح الإسلام واليهودية والمسيحية "أبناء إبراهيم" المتساوين، فلا معنى للقول بأن في الأرض ديناً صحيحاً ودناً محرَّفاً.
الهدف الثاني — طمس الهوية:
لا يستطيع مشروع التطبيع أن يستمر في مواجهة شعوب تعرف تاريخها وترتبط بهويتها. لذا يستهدف المشروع إعادة تعريف الهوية العربية والإسلامية بمعزل عن مرجعياتها الحضارية، ليجعل من الإنسان العربي كائناً بلا جذور يقبل أي هوية تُفرض عليه.
الهدف الثالث — تمكين الاحتلال:
وهو الهدف الذي يربط كل شيء بمحوره الحقيقي. فالتطبيع الديني والثقافي هو المقدمة الضرورية للتطبيع السياسي. الإنسان الذي يؤمن بأن "اليهودي أخوه في إبراهيم" لن يجد حرجاً في أن يصافح يد الاحتلال، بل قد يرى في ذلك "عودةً إلى الجذور المشتركة".
رابعاً: ميادين المعركة المتعددة
ما يميز كتاب العوضي أنه لا يكتفي بالتشخيص النظري، بل يتتبع المشروع في ميادينه المتعددة:
"في التعليم:" حيث تعمل الضغوط الدولية على تغيير المناهج وحذف كل ما يُرسِّخ الهوية الإسلامية أو يُبيّن طبيعة الصراع مع الاحتلال.
"في الإعلام:" حيث تُموَّل منصات وقنوات وبرامج تروّج الخطاب الإبراهيمي بأوجه ثقافية وترفيهية وحوارية.
"في الاقتصاد:" إذ يأتي "السلام الاقتصادي" الذي تحدثت عنه صفقة القرن مكمّلاً للتطبيع الديني، فيُقدَّم للشعوب: "أنتم تكسبون رفاهية مقابل التنازل عن الهوية".
"في الفضاء الرقمي:" حيث تنتشر محتوياتٌ تُسوِّق للمشترك الإنساني بين الأديان، وتُصوِّر الرافضين للتطبيع متشددين وعائقين أمام السلام والتقدم.
خامساً: طوفان الأقصى.. الردّ الحضاري على الإبراهيمية
يرى العوضي أن طوفان الأقصى لم يكن حدثاً عسكرياً فحسب، بل كان "ردّاً حضارياً" على المشروع الإبراهيمي برمّته. لأن طوفان الأقصى أثبت أن الهوية لم تُهزم، وأن الشعب الفلسطيني لم يقبل أن يُدرج نفسه في خانة "أبناء إبراهيم المتصالحين"، وأن المقاومة ليست حركات منفردة بل تعبيرٌ عن أمة لا تزال تعرف من هي وما الذي تريده.
سادساً: ما العمل؟
لا يكتفي الكتاب بالتحذير، بل يُقدِّم جملةً من المقترحات:
أولاً: بناء الوعي العقدي الراسخ كأول خط دفاع، لأن الإنسان الذي يعرف دينه معرفة صحيحة لا يُخدَع بتحريف مصطلحاته.
ثانياً: تحصين المناهج التعليمية ومراجعة ما تسرّب إليها من محتوى يخدم الأجندة الإبراهيمية.
ثالثاً: فضح آليات المشروع في الفضاء العام، وعدم ترك المصطلحات تسير دون تعريف ومحاسبة.
رابعاً: دعم الشخصيات الدينية والفكرية الواعية الرافضة للمشروع، وإتاحة المنابر لها في مواجهة الشخصيات الموظَّفة لخدمة المشروع.
إذا جمعنا كتاب الدكتورة هبة جمال الدين وكتاب الدكتور محمد العوضي في رؤية واحدة، خرجنا بصورة كاملة لمشروع يُحارَب على جبهتين متوازيتين:
"الجبهة السياسية" — التي كشفتها د. هبة جمال الدين — وهي جبهة الاتفاقيات والخرائط وصفقات القرن وإعادة رسم المنطقة.
"الجبهة العقدية والهوياتية" — التي كشفها العوضي — وهي جبهة الإنسان من الداخل، وعقيدته وهويته ووعيه.
كلتا الجبهتين تخدم هدفاً واحداً: "منطقةٌ بلا مقاومة، وشعوبٌ بلا هوية، وقضيةٌ بلا أصحاب."
والمواجهة الحقيقية لهذا المشروع لا تبدأ في ميادين القتال فحسب، بل تبدأ حيث يبدأ الوعي: في الكتاب، والفصل، والمسجد، وكل مكانٍ يصنع فيه الإنسانُ هويته.
























