انتصار عطية تكتب: بيت العنكبوت


قد يبدو العنوان فيه شيءٌ من الغرابة على عين القارئ، ولكنه في صميم موضوعنا اليوم.
قال الله تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾.
فنحن نرى العنكبوت ينسج بيته في وقتٍ طويلٍ وبجهدٍ كبير، ليكون البيت الذي يتزوج وينجب فيه. البيت شكله جميل ومنسوج بعنايةٍ وجهد، ولكنه – للأسف – يتمزق من أي عنفٍ ولو بسيط؛ فهو واهٍ، وخيوطه المنسوجة بالجهد والتعب ضعيفة.
هذا المثال ليس عابرًا، بل يقودنا إلى ما يحدث الآن في مجتمعنا.
فالشاب الذي يريد الزواج يتعب ويكدّ ليبني بيتًا جديدًا، ليكوّن أسرةً ويستقرّ وينجب، فيسخّر كل إمكاناته لبناء هذا البيت، ويختار العروس، وتزداد المصروفات، ولكنه سعيد، ويتمنى اليوم الذي يبدأ فيه حياته ويصبح زوجًا وأبًا.
وكذلك الفتاة تتمنى ذلك أيضًا، ويتكلف ذووها الكثير والكثير من أجل استقرار ابنتهم وسعادتها.
وتمر الأيام الأولى في سعادة، وقد يُرزق العروسان أطفالًا، وقد تستمر بهما الحياة سلسةً وهادئةً إلى ما شاء الله لهما من العيش معًا.
وعلى الجانب الآخر، نرى الكثير من الشباب والفتيات بعد الزواج ينقلب بهما الحال من الحب إلى الكره، ومن التفاهم إلى العناد والتعنت في أتفه الأشياء، ويتمسك كلٌّ منهما برأيه؛ فلا تنازل ولا تفاهم، ويصبح البيت عبارة عن قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة.
وقد يكون تدخل الأهل سببًا سلبيًا في إشعال النار لا في إخمادها. لا أدري لماذا أصبح موقف بعض الأهل سلبيًا ضد العمار!
في الأيام الماضية، كانت الأم تنصح بكل ما هو إيجابي لصالح ابنتها، وكذلك الأب يقف بجوار ابنته في الحق فقط لا في الباطل.
أما الآن، فقد تشجع بعض الأمهات بناتهن على العناد، وتنصحهن بألا يتنازلن، وتشجعهن على التحكم والوقوف بعناد أمام الزوج. وكذلك بعض الآباء لا ينصحون بالتحمّل المعقول في الحق، بل يكيلون مجموعة من الإرشادات لا النصائح، مثل:
«بيت أبوكِ مفتوح»،
«لو قال لكِ كلمةً سيئة فقولي له عشرًا»،
وغير ذلك من الأمثلة.
فماذا ستكون النتيجة عند أول صدام بينهما؟
يتمزق بيت العنكبوت، وتتمزق خيوطه الواهية التي لم تُنسج على أساسٍ قوي من الثقة والتفاهم، والقوة الحياتية المستمدة من نصائح الأهل الصادقة.
ماذا لو عدنا إلى زمنٍ كانت فيه الأم تنصح ابنتها بعمار بيتها، والتجاوز عن الهفوات الصغيرة التي تحدث في أي بيت، والابتعاد عن مضايقة زوجها عند حدوث سوء تفاهم، وألا تعطي الموضوع أكبر من حجمه، وتتركه يمر بهدوء؟
وكان الأب ينصح ابنه بصيانة زوجته، وعدم التصلب في الرأي، والمعاملة الحسنة التي تليق بها كزوجة، كما أمر الله ورسوله ﷺ:
«أوصيكم بالنساء خيرًا»،
وقال ﷺ: «رفقًا بالقوارير».
دعونا نعود إلى ديننا الحنيف الذي نستمد منه العزة والكرامة، وحسن المعاملة، وحسن المعاشرة، لتستمر الحياة في سلام، ولنكون أُسرًا سعيدةً هادئةً، ونربي أطفالًا أسوياء يفيدون مجتمعهم، ونحافظ على تماسك الأسرة ودوامها ليستقر مجتمعنا.
لعلي استطعت أن أنبّه – ولو بقدرٍ بسيط – لما يحدث في مجتمعنا الآن من بيوتٍ تُبنى من خيوط العنكبوت.
ولنفق مما نحن فيه حتى لا نرى كل يوم آلاف البيوت تُهدم وخيوطها تتمزق، ونصل إلى طريقٍ مسدود، وهو الطلاق الذي هو أبغض الحلال عند الله.
نتمنى لبيوت أبنائنا العمار، ودوام الاستقرار والسعادة.
وكل عام وأنتم بخير، ورمضان مبارك على جميع المصريين.
وإلى لقاءٍ قادمٍ إن شاء الله.























