الخميس، 5 مارس 2026 04:54 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: الحرب علي إيران...ما هو الموقف الآن؟

بوابة المصريين

في مشهدٍ سياسيٍّ يعيد تشكيل خارطة الشرق الأوسط من جديد، خرج رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليعلن عن مشروع "التحالف السداسي" (Hexagon of Alliances)، الذي يضم إلى جانب الكيان الصهيوني كلاً من الهند واليونان وقبرص، مع وعود بضم دول أفريقية وآسيوية وعربية . لم تكن مجرد تصريحات عابرة، بل كانت إعلان عقيدة استراتيجية واضحة: حصار "محور الشيعة الراديكالي" أولاً، ثم التوجه بعد ذلك لـ "محور السنة الراديكالي" .
اليوم، ونحن نشهد عدواناً عسكرياً أمريكياً-بريطانياً-إسرائيلياً على إيران، يتخلله اغتيالات للقيادة وضربات جوية تطال العمق الإيراني . السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: ما هو الموقف التاريخي المطلوب من الدُّول المحبة للإنسانية في مواجهة هذا المخطط الذي لا يخفي عداءه للطائفتين السنة والشيعة معآ؟

لطالما راهن العقل الاستراتيجي الغربي والصهيوني على مقولة "عدو عدوي صديقي". لكن الجديد في خطاب نتنياهو هو تجاوز هذه المقولة إلى مرحلة التصنيف المباشر. فلم يعد الكيان يخفي أن نظره ليس محصوراً على طهران وحدها، بل يمتد ليشمل أي تيار سني مقاوم أو معارض لمشروعه في المنطقة . واستخدم هذه اللغة في خطابه حتي يدلل انه يستعد لمعركة أرمجدون.

ما يحدث اليوم ليس حرباً على إيران وحدها، كما يحاول البعض تصويرها. إنها حرب وجودية على مفهوم "الأمة" برمتها. فعندما يعلن السفير الأمريكي في الكيان الصهيوني عن "حق إسرائيل التوراتي في السيطرة من النيل إلى الفرات"، وعندما تُستخدم القواعد الأمريكية في الدول العربية والخليجية لشن هجمات على إيران، فإن الدماء التي تُسفك هي دماء أبناء المنطقة، سواء كانوا شيعة أو سنة . إنهم يريدون للمنطقة أن تبقى في حالة صراع دائم، تستنزف فيه مقدراتها، ويبقى الكيان الصهيوني القوة الوحيدة التي لا تُقهر.

- في أكتوبر 1935، غزت إيطاليا بقيادة موسوليني إثيوبيا (الحبشة)، وهو ما اعتُبر انتهاكًا صارخًا لميثاق عصبة الأمم.
- موقف الولايات المتحدة: رغم أن أمريكا لم تكن عضوًا في عصبة الأمم، إلا أنها أيّدت الجهود الدولية لفرض عقوبات اقتصادية على إيطاليا، مثل حظر تصدير الأسلحة والمواد الاستراتيجية.
- السبب المباشر: كان الهدف الضغط على إيطاليا لوقف عدوانها على إثيوبيا، ودعم مبدأ الأمن الجماعي ومنع انتشار الحروب العدوانية.
- الدافع الأخلاقي والسياسي: الولايات المتحدة أرادت أن تُظهر التزامها بالسلام الدولي، حتى وإن لم تشارك بشكل كامل في آليات العصبة.
هذه ما كانت عليه امريكا منذ تسعين عام

الإنسانية على مفترق طرق تاريخي

تقف دول العالم اليوم أمام اختبار مصيري، لا يحتمل الحياد أو التردد. هناك من راهن على مشروع "السلام الدافئ" والتطبيع، ظناً منه أن باستطاعته استيراد التكنولوجيا والأمن مقابل التخلي عن دعم القضايا المركزية للأمة، وفي مقدمتها فلسطين. لكن التصريحات الإسرائيلية الأخيرة تثبت أن التطبيع لا يشتري احتراماً، بل يشتري وقتاً. فبمجرد أن تنتهي إسرائيل من الخطر الإيراني (كما تتصور)، سيكون الدور على الأنظمة السنية التي اعتبرتها تل أبيب دوماً "راديكالية" أو "معتدلة" حسب ما تمليه مصالحها .

أما الخيار الآخر، وهو خيار المقاومة والوعي، فيتطلب قراءة مختلفة للخريطة. لقد أثبتت الأيام أن أمن المنطقة لا يُصنع في تل أبيب أو واشنطن، بل يصنع بتضامن أبنائها. الرسالة التي بعثتها باكستان بإدانة تصريحات نتنياهو، والموقف الماليزي الرافض للعدوان على إيران، هي بداية الطريق الصحيح . بل إن التصريحات الإيرانية نفسها تؤكد أن الحرب الحالية ليست على طهران وحدها، بل هي حرب على "الأمة الإسلامية والمنطقة بأسرها"، داعية جميع الدول الإسلامية لتحمل مسؤولياتها التاريخية .

ما العمل؟

أولاً: إدراك وحدة المصير. إن استمراء ضرب إيران تحت أي مسمى هو تمهيد الطريق لضرب أي مشروع وطني آخر في المستقبل. لا يمكن للدول المحبة للسلام ومنها دول سنية أن تفرح اليوم بما يحدث في طهران، لأنها ستكون الغد في ساحة الاتهام ذاتها.

ثانياً: تصحيح البوصلة. حان الوقت لإعادة تعريف "العدو" و"الصديق". ليس العدو من يختلف معك في المذهب، بل العدو من يحتل أرضك ويستبيح مقدساتك ويسعى لتفتيت دولتك. إسرائيل لا تفرق بين شيعي وسني عندما تقصف، فهي تستهدف الإنسان الفلسطيني في غزة (وهو سنة) كما تستهدف العاصمة الإيرانية (وهي شيعية) .

ثالثاً: بناء جبهة موحدة للدول المحبة للسلام والشعوب المحبة للإنسانية. ليس المطلوب الدخول في حرب بالوكالة عن أحد، بل المطلوب وقف نزيف الدم في المنطقة عبر موقف سياسي موحد يرفض العدوان الثلاثي الأمريكي-البريطاني-الإسرائيلي، ويطالب بمحاسبة المعتدي، ويضع حداً لمشروع "الشرق الأوسط الجديد" الذي لا مكان فيه لسيادة الدول ولا لكرامة الشعوب.

ما يحدث اليوم على أرض إيران هو امتداد لما حدث في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين. إنها حلقة واحدة في سلسلة طويلة من المؤامرة على مشروع النهضة العربية. على الدول العالم المحبة للسلام ومنها الدول السنيّة أن تدرك أن السكوت عن العدوان اليوم هو ثمن باهظ ستدفعه غداً من سيادتها وأمنها واستقرارها. فإما أن نقف جميعاً صفاً واحداً في وجه هذا المد الصهيوني الغربي، أو ننتظر دورنا الواحد تلو الآخر، ولن ينقذ أحدٌ أحداً.

"إنها لحظة الحقيقة: إما أمة موحدة في مواجهة المشروع الصهيوني، أو دول مفككة تلتهمها رياح التحالفات الكبرى واحدة تلو الأخرى.

مقالات الرأي