القهوة.. من «غذاء للحروب» إلى «مشروب المزاج» المصري


هل تخيلت يوماً وأنت تشرب "فنجان القهوة" الصباحي أنك في الحقيقة تتناول "وجبة محارب"؟ البداية كانت مع قبائل "الأورومو" في إثيوبيا، الذين اكتشفوا التأثير السحري لثمار البن. لم يكونوا يغلوها في الماء، بل كان المحاربون يطحنون الحبوب ويخلطونها بـ "الدهن الحيواني" (السمن)، ويصنعون منها كرات صغيرة يأكلونها أثناء التنقل. كانت هذه الكرات بمثابة "أول بار طاقة" في التاريخ، تمنحهم قوة رهيبة وجرأة في المعارك وسرعة في الحركة.
التحول الكبير في اليمن السعيد
انتقلت الرحلة عبر البحر إلى اليمن، وهنا حدث التحول العظيم في القرن الخامس عشر. كان اليمنيون (وتحديداً المتصوفة) أول من قاموا بتحميص البذور وغليها لتتحول إلى مشروب.
سر التسمية: أطلقوا عليها اسم "قهوة"، وهو لفظ عربي قديم كان يُطلق في الأصل على "الخمر". وقد استشهد الفقهاء قديماً ببيت الأعشى الكبير في معلقته ليؤكدوا أن الاسم كان يخص الخمر قبل البن، حيث قال:
وَقَــهْــــوَةً مُـــــزّةً رَاوُوقُــهَــا خَــضِــلُ ... لا يستفيقون َ منها، و هي َ راهنة ٌ
وسُميت بذلك لأنها "تُقهي" الشارب (أي تسد شهيته عن الطعام). وقد استعار المبدعون اليمنيون الاسم للمشروب الجديد لأنه يشترك مع الخمر في خاصية "تعديل المزاج" ولكن دون إذهاب العقل.
اليوم، تُصنف القهوة كأكثر سلعة زراعية تُباع وتُشترى في العالم، وتأتي في مقدمة السلع العالمية بجانب البترول. إنها "الذهب الأسود" الحقيقي الذي لا يستغني عنه بيت مصري، ورحلتها من كرات دهن للمحاربين إلى فنجان "مظبوط" هي قصة صمود بحد ذاتها.
القهوة في مصر عبر أروقة العلم في الجامع الأزهر
لم تدخل القهوة مصر عبر التجار أو الرحالة في البداية، بل دخلت عبر أروقة العلم في الجامع الأزهر الشريف. ففي أوائل القرن السادس عشر (حوالي عام 1500م)، حمل الطلاب اليمنيون المغتربون معهم "حبوب البن" إلى القاهرة. كان هؤلاء الطلاب، الذين اتخذوا من "رواق اليمن" مسكناً لهم داخل الأزهر، يشربون القهوة ليلاً لمساعدتهم على النشاط والسهر في المذاكرة وحفظ المتون وحلقات الذكر الصوفية.
من أسوار الأزهر، تسللت رائحة القهوة إلى الأحياء المجاورة مثل حي الحسين وخان الخليلي، وسرعان ما انتقلت من مشروب للنخبة من العلماء والطلاب إلى عامة الشعب. ومع حلول عام 1550م، بدأت تظهر في القاهرة بواكير "البيوت التي تشرب فيها القهوة"، والتي تطورت لاحقاً لتصبح "المقاهي" التي غيرت شكل الحياة الاجتماعية في مصر، حيث تحولت من مجرد أماكن لشرب القهوة إلى ملتقيات أدبية وسياسية وشعبية لا تخلو منها حارة مصرية.
























