الثلاثاء، 9 يونيو 2026 02:30 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: ارميا: نبي الكارثة

بوابة المصريين

كان إرميا نبيًا خرج في لحظة انهيار تاريخي تشبه الزلازل الكبرى في مسار الأمم.
ظهر قبل سقوط القدس بسنوات قليلة، حين كانت مملكة يهوذا تعيش صراعًا بين التبعية السياسية والانقسام الديني والفساد الداخلي. وفي قلب هذا المشهد المضطرب، أطلق إرميا نبوءاته التي امتزج فيها التحذير السياسي بالرؤية الدينية، حتى صار لاحقًا أحد أكثر الأنبياء تأثيرًا في تشكيل المخيال اليهودي حول فكرة الخراب ثم العودة.

لكن أهمية إرميا لم تبقَ حبيسة النصوص المقدسة.
فمع صعود التيارات القومية والدينية داخل إسرائيل الحديثة، تحولت نبوءاته إلى مادة أيديولوجية حاضرة بقوة داخل خطاب اليمين التلمودي والقومي المتشدد، الذي يرى في التاريخ المعاصر امتدادًا مباشرًا للرواية التوراتية.

لقد كان إرميا نبي الكارثة.
كان يحذر قومه من أن استمرار الظلم والانقسام والابتعاد عن الشريعة سيقود إلى سقوط الدولة وخراب الهيكل والسبي البابلي. وعندما جاء الغزو البابلي بقيادة نبوخذ نصر الثاني، بدا لكثير من اليهود أن نبوءاته قد تحققت بالفعل، فتحول من شخصية مرفوضة في زمانه إلى رمز للحقيقة المؤلمة.

غير أن أخطر ما في نبوءة إرميا لم يكن الحديث عن السقوط، بل الحديث عن “العودة”.
فهناك في قلب الخراب، ظهر الوعد بإعادة جمع الشتات وعودة الشعب إلى الأرض واستعادة العهد الإلهي. هذه الفكرة بالتحديد أصبحت لاحقًا واحدة من الأعمدة الرمزية التي استندت إليها الصهيونية الدينية في تبرير مشروع الدولة اليهودية الحديثة.

اليمين التلمودي الإسرائيلي لا يقرأ إرميا كنص تاريخي فقط، بل باعتباره خارطة رمزية للصراع السياسي المعاصر.
فبالنسبة لهذه التيارات، لا تمثل إسرائيل مجرد دولة قومية حديثة، بل تحقيقًا تاريخيًا لنبوءات قديمة. ولهذا تُستخدم مفاهيم مثل “أرض الميعاد”، و”العودة من الشتات”، و”استعادة الهيكل”، باعتبارها ليست شعارات دينية فحسب، بل أسسًا للشرعية السياسية.

داخل هذا التصور، يصبح الصراع على الأرض صراعًا مقدسًا لا نزاعًا حدوديًا تقليديًا.
فالضفة الغربية لا تُسمى فقط “الضفة”، بل “يهودا والسامرة”، أي الامتداد التوراتي للمملكة القديمة. والمستوطنات لا تُقدَّم باعتبارها مشاريع توسع سياسي فقط، بل كجزء من “استعادة التاريخ”.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين نبوءات إرميا وصعود اليمين الديني في إسرائيل.

فبعد حرب 1967 واحتلال القدس الشرقية، ظهرت حركات دينية قومية رأت في الانتصار العسكري علامة على اقتراب “الخلاص القومي”. ومع مرور الوقت، تحول هذا التصور إلى تيار سياسي مؤثر داخل المؤسسة الإسرائيلية، خاصة مع صعود الأحزاب الدينية والقومية المتشددة.

هذا اليمين التلمودي لا يعتمد على التلمود وحده، بل يمزج بين النصوص التوراتية والتفسير السياسي الحديث.
إنه يبني سردية تقول إن التاريخ يتحرك وفق وعد إلهي، وإن أي تنازل عن الأرض يمثل خيانة للعهد الديني قبل أن يكون خطأً سياسيًا.

ولهذا تبدو نبوءات إرميا حاضرة بصورة غير مباشرة في الخطاب الإسرائيلي المعاصر، خاصة في القضايا المتعلقة بالقدس والاستيطان والهيكل.
فالقدس ليست فقط عاصمة سياسية، بل مركزًا ميتافيزيقيًا في الوعي الديني اليهودي. ومن هنا تنبع الحساسية الشديدة تجاه أي نقاش حول السيادة على المدينة أو المسجد الأقصى.

لكن قراءة إرميا داخل المشروع اليميني ليست القراءة الوحيدة الممكنة.

فهناك تيارات يهودية أخرى ترى أن إرميا كان في جوهره نبيًا أخلاقيًا حذر من الغرور القومي وربط بقاء الدولة بالعدالة لا بالقوة.
وفي المقابل، يرى كثير من المفكرين العرب أن توظيف النبوءات في السياسة الحديثة يمثل خطرًا كبيرًا، لأنه يحول الصراع السياسي القابل للتفاوض إلى صراع عقائدي مطلق.

وهنا تتكشف المفارقة الكبرى.

فإرميا الذي حذر قومه من عبادة القوة والفساد، أصبح في بعض القراءات الحديثة جزءًا من خطاب قومي متشدد يربط السياسة بالمقدس. وبين النص القديم والدولة الحديثة، تتداخل الأسطورة بالتاريخ، والعقيدة بالجغرافيا، حتى يصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين الإيمان الديني والمشروع السياسي.

إن فهم دور نبوءات إرميا في عقل اليمين الإسرائيلي لا يعني قبول هذه الرؤية أو رفضها، بل فهم الكيفية التي تتحول بها النصوص الدينية إلى أدوات لإنتاج الهوية والشرعية والصراع.
فالشرق الأوسط لا تحركه الجيوش وحدها، بل تحركه أيضًا القصص الكبرى التي تؤمن بها الشعوب عن نفسها، وعن أرضها، وعن مصيرها.

مقالات الرأي

آخر الأخبار