الاعتداء على مقدمي الرعاية الصحية.. جريمة لا تستهدف فرداً بل تهدد أمن المجتمع


في كل دولة تحترم سيادة القانون، لا يُنظر إلى الاعتداء على الطبيب أو الممارس الصحي باعتباره خلافاً شخصياً بين أفراد، وإنما باعتباره اعتداءً على مرفق حيوي يمثل أحد أعمدة الأمن المجتمعي. فالطبيب عندما يرتدي معطفه الأبيض لا يؤدي خدمة خاصة فحسب، بل يمارس رسالة إنسانية ترتبط بحق أصيل من حقوق الإنسان وهو الحق في الرعاية الصحية.
وقد أعادت واقعة الاعتداء على طبيبة الأسنان بمحافظة القليوبية إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً يتعلق بمدى الحماية القانونية التي يتمتع بها مقدمو الخدمات الصحية أثناء أداء عملهم، ومدى كفاية العقوبات الرادعة لمواجهة ظاهرة التعدي على الكوادر الطبية.
فبحسب ما تم تداوله إعلامياً، فإن الواقعة نشأت إثر خلاف داخل العيادة أثناء مباشرة الطبيبة لعملها، قبل أن تتطور إلى اعتداء بدني أسفر عن إصابات خطيرة استدعت تدخلاً طبياً عاجلاً. وإذا ما ثبتت هذه الوقائع قضائياً فإننا نكون أمام جريمة تتجاوز حدود المشاجرة التقليدية إلى اعتداء مباشر على الحق في العمل الآمن وعلى هيبة المؤسسات الصحية.
ومن الناحية القانونية، فإن أي اعتداء ينتج عنه إصابات جسيمة أو كسور أو عجز مؤقت أو مستديم يضع مرتكبيه تحت طائلة نصوص قانون العقوبات المتعلقة بالضرب المفضي إلى إصابة أو عاهة، مع تشديد المسؤولية الجنائية كلما ارتفعت جسامة الضرر أو تعدد الجناة أو استخدمت أدوات في الاعتداء.
غير أن البعد الأخطر في مثل هذه الوقائع لا يكمن في الضرر الواقع على المجني عليه فقط، وإنما في الرسالة السلبية التي تصل إلى المجتمع الطبي بأكمله. فالشعور بعدم الأمان داخل بيئة العمل يدفع كثيراً من الكفاءات إلى العزوف عن بعض التخصصات أو الهجرة إلى بيئات أكثر استقراراً، وهو ما ينعكس في النهاية على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.
وتؤكد التجارب الدولية أن مواجهة هذه الظاهرة لا تعتمد على العقوبات الجنائية وحدها، بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل تشديد الحماية القانونية للعاملين بالقطاع الصحي، وتوفير أنظمة أمنية ورقابية داخل المنشآت الطبية، وتركيب كاميرات مراقبة عالية الجودة، وتفعيل إجراءات الاستجابة السريعة للحوادث، فضلاً عن نشر الوعي المجتمعي بحقوق وواجبات المرضى ومقدمي الخدمة الصحية.
كما أن من الضروري دراسة استحداث نصوص تشريعية خاصة تجرم الاعتداء على الكوادر الطبية أثناء أداء عملهم بعقوبات مشددة، على غرار ما هو معمول به في عدد من النظم القانونية المقارنة التي تعتبر الاعتداء على العاملين في المرافق الحيوية ظرفاً مشدداً للعقوبة.
إن احترام الطبيب ليس امتيازاً مهنياً، بل ضرورة لحماية المجتمع نفسه. فحين يصبح الطبيب مهدداً داخل غرفة الكشف، فإن الخطر لا يطال شخصاً بعينه، بل يطال الثقة في المنظومة الصحية بأكملها.
ويبقى الفيصل في هذه الواقعة وغيرها هو كلمة القضاء بعد استكمال التحقيقات وإثبات المسؤوليات الجنائية وفقاً للأدلة والقانون، مع التأكيد على أن العدالة الناجزة تمثل الضمانة الحقيقية لحماية الأفراد وصون هيبة المرافق العامة والخدمات الأساسية في المجتمع.
المستشار / خالد السيد
مساعد رئيس حزب المصريين عضو الهيئة العليا والمكتب التنفيذي
























