فيفيان سمير تكتب: علاقات السندرة


زمان في بيوت جداتنا كان هناك مكان في سقف المطبخ أو الطرقة، ثمة فسحة مهجورة تدعى "السندرة". كان أجدادنا يلجأون إليها، ليسكن فيها كل ما فقد ضرورته، لكنه لم يفقد وهم إمكانية استغلاله. كل الأشياء التي لا نحتاجها توضع فيها عوضا عن رميها، عملا بمبدأ "يمكن نحتاجها"، بمعنى كل "الكراكيب" القديمة المهملة تخزن بالسندرة، وبالطبع تبقى بمكانها هذا لسنوات وربما لعقود من الزمن دون أن يشعر بوجودها أحد، ظنا منا أنه قد تتاح لنا يومًا فرصة الإفادة منها، واستغلالها فيما ينفع بطريقة أو أخرى، إلى أن يكون مصيرها سلة المهملات في النهاية. اختفى هذا المكان من التصميمات الحديثة للمنازل، لكنه للأسف أنتقل إلى علاقاتنا؛ فأصبح بحياة كلا منا سندرة، نلقي فيها "بكراكيب" علاقاتنا التي في واقعها انتهت، لكننا نحتفظ بها في ركن منزوي من حياتنا ربما نحتاجها يوما ما، أو لقيمتها التي كانت تمثل لنا أهمية أو غلاوة، حتى وإن فطرت أو تحولت إلى علاقة سامة أو مؤذية. نعلق في منطقة رمادية مع من أصبح وجودهم في حياتنا مجرد صدى بعيد. نحفظ الأرقام، نتابع الحسابات، نرسل التهاني الآلية، كطقوس فارغة لإرضاء شبح الماضي، أو خوفًا من الفراغ، أو ربما أملًا واهنًا أن "يمكن نحتاجهم يومًا". لكننا ننسى، في غمرة هذا التخزين العاطفي، أن الطرف الآخر ليس شيئًا يمكن وضعه على رف النسيان. فهو إنسان، قد يعاني، ينتظر، يتألم، أو قد يكون هو الآخر عالقًا في نفس الدوامة من التردد والغموض. نبقي على حطام علاقة، ربما لا نعود لها، دون مراعاة مشاعر وحقوق الطرف الآخر، وما يعانيه من ألم نتيجة هذا الوضع المهمل.
تخيل أن تفتقد صديق فترسل له رسالة لتسأل وتطمأن عليه، فيأتي الرد كسحب نوفمبر: "مشغول جدًا، مرهق، أعمال متراكمة... سأطلبك لاحقا". تمر الأيام، وأنت تراه ينشر، يعلق، يعيش حياة رقمية نشطة، وحياة اجتماعية يعلن عنها على حسابه، بينما رسالتك تبقى حبيسة صندوق "سيتم الرد لاحقًا" الذي لا يأتي. هنا تسأل نفسك أي نوع من الصداقة هذه؟ أهي صداقة أم مجرد "ذكرى" مخزنة في سندرة العلاقات؟
العلم يقدم لنا تفسيرًا لحالتنا هذه. في علم النفس الاجتماعي، يصف الباحثون ما يسمى بـ "العلاقات المنخفضة الجودة" Low-Quality Relationships، وهي تلك الروابط التي تستهلك طاقتنا العاطفية دون أن تمنحنا الدعم الحقيقي أو الإشباع العاطفي. الدراسات، مثل تلك المنشورة في "دورية الصحة والسلوك الاجتماعي"، تشير إلى أن الإبقاء على مثل هذه العلاقات السلبية أو الضعيفة قد يكون له تأثير سلبي على الصحة النفسية، يوازي أحيانًا تأثير العلاقات صريحة العدائية. لأن الغموض وعدم اليقين (Uncertainty) في العلاقة يسببان إجهادًا مزمنًا (Chronic Stress) للنظام العصبي.
فالتمسك بـ "حطام" علاقة ما هو إلا شكل من أشكال "التفكير الأمنياتي" Wishful Thinking، الذي يحجب عنا رؤية الحقيقة المؤلمة، أن العلاقة قد انتهت. وهذا يتوافق مع ما يسميه علماء النفس بـ "نظرية التعلق" (Attachment Theory)، حيث قد يدفعنا الخوف من الهجر أو الوحدة إلى التعلق بأهداب العلاقات، حتى لو كانت مؤذية أو فارغة.
لذا، فإن الدعوة إلى "الوداع اللائق" ليست مجرد رفاهية أدبية، بل ضرورة نفسية. الوضوح شجاعة، إنه احترام للوقت الذي قضيناه معًا، وللمشاعر التي تشاركناها يومًا. قول "شكرًا، لكن طريقنا انفصل هنا" هو فعل تنظيف عاطفي، هو إخراج تلك "الكراكيب" من سندرة القلب لتحل محلها مساحة للهواء النقي، وضوء جديد، وعلاقة جديدة قد تأتي، فتجد مكانًا لها في البيت، لا في المخزن.
فليكن قلبنا منزلًا دافئًا، تُفتح نوافذه للضيوف الحقيقيين، الذين يدخلون من الباب، يسألون عنا بصدق، ويشاركوننا كوب شاي في وضح النهار، لا خزانةً مظلمةً في السقف نلقي فيها وجع الأمس وانتظار الغد. الجمال الحقيقي للحياة ليس في كم العلاقات التي نخزنها، بل في جودة العلاقة التي نعيشها في اللحظة الراهنة، بكل وضوحها وصدقها ووجودها الكامل.
إذا فرغ الحب وفتر الاهتمام أرجوك كن واضحا واحترم مشاعرك واحترم مشاعر شريكك بوداع لائق بكما.























