هدى صالح تكتب .. حين تُربك العفويةُ النفوسَ المريضة»


في عالم العلاقات الإنسانية، لا يُقاس الخطر دائمًا بما يُقال علنًا، بل بما يُخفى في الصدور. فالخبث والضغينة مشاعر صامتة، قد تسكن قلب إنسان تجاه آخر دون سبب واضح، سوى أن هذا الآخر يتعامل بعفوية مطلقة، وبنقاء لا يعرف الحسابات الخفية.
العفوية، على عكس ما يُظن، ليست دائمًا موضع ترحيب. فهي تفضح النفوس المتعبة، وتُربك من اعتادوا الأقنعة. لذلك قد تتحول العفوية إلى سبب غير معلن للعداء، وإلى شرارة تشعل الحسد والضغينة في قلوب ضعيفة.
في بيئة العمل، تتجلى هذه الصورة بوضوح. فقد تصادف زميلًا يُظهر الودّ والدعم، بينما يُخفي في داخله رغبة دائمة في التربّص. يبتسم في حضورك، لكنه يراقب خطواتك بحثًا عن زلّة، يضخّم الأخطاء الصغيرة، وينقل الكلمات مبتورة، متخذًا من “الحرص المهني” قناعًا يخفي به نواياه الحقيقية.
هذا النوع من الخبث لا يواجه، لأنه يدرك أن المواجهة تحتاج إلى وضوح وشجاعة. لذلك يعمل في الظل، ويقتات على الصمت وسوء الفهم، محاولًا تشويه صورة الآخر دون أن يترك أثرًا مباشرًا عليه.
وغالبًا ما تنبع الضغينة من شعور دفين بالنقص. فالشخص الخبيث لا يحتمل أن يرى غيره صادقًا مع نفسه، أو ناجحًا دون التفاف. عفوية الآخرين تذكّره بتصنّعه، وصفاؤهم يفضح اضطرابه الداخلي، فيختار طريق الإيذاء بدل المراجعة الذاتية.
أما الحماية من هذا الخبث، فلا تكون بالقسوة ولا بسوء الظن بالجميع، بل بالوعي. وعيٌ يجعلنا نضع حدودًا واضحة، ونُحسن اختيار من نشاركه تفاصيلنا، ونحرص على توثيق أعمالنا، خاصة في بيئات تتشابك فيها المصالح. كما أن الهدوء والاتزان يفرغان محاولات الإيذاء من قوتها، فصاحب الخبث يتغذى على ردود الأفعال.
وفي النهاية، تبقى العفوية الصادقة قوة لا ضعفًا، حتى وإن جعلت صاحبها هدفًا مؤقتًا. فالنفوس السليمة لا تُهزم، لأنها لا تعرف العمل في الظلام. أما الخبث، فمهما طال أمده، ينهار أمام النور… لأن النور بطبيعته كاشف.
























