انتصار عطية تكتب: وليه لأ؟


أحبائي قرائي الأعزاء… وحشتوني جدًا، فمنذ فترة ليست بالقصيرة لم ألتقِ بكم.
أولًا: كل عام وحضراتكم بخير بمناسبة قرب حلول شهر رمضان المبارك، أعاده الله عليكم بالخير والبركات.
أشكر السيدة التي أعادتني إليكم؛ فمنذ قليل تلقيت رسالة من سيدة تشكو إليَّ أولادها، بعد أن أدت أتجاههم رسالتها، وأوصلتهم إلى شاطئ الأمان، وإلى عتبات منازلهم الجديدة التي سيبدؤون فيها حياةً منفصلة.
أغلقوا الأبواب دونها…
وفي الرسالة تفاصيل كثيرة عن الزوج والأبناء، وعن المعاملة والإهمال، والكثير مما ليس من حقي سرده أو الكتابة عنه. ما يهمني هو ما طلبته.
هي سيدة لم تتقدم في العمر كثيرًا، أفنت عمرها وزهرة شبابها في تربية أبنائها، وتعبت وشقيت معهم كثيرًا، حتى وصلت بهم جميعًا إلى بر الأمان.
والآن، أليس من حقها أن ترتاح، وأن تستمتع بقسط من الهدوء والراحة النفسية؟ وأن تختار هذه الراحة بالطريقة التي تختارها هي، لا التي تُفرض عليها؟ وأن تعيد ترتيب أوراق سنينها التي بعثرتها أيام وسنوات الجري وراء الأبناء ومتطلباتهم؟
هي تريد الإنفصال عن الزوج، ولها أسبابها الخاصة التي تُحترم.
أليس هذا من حقها؟ لماذا نعطي الزوج، الذي لم يُلقِ لها بالًا سنواتٍ طوال، حقَّ الإختيار في إستمرار الحياة الزوجية أو إنهائها، ولا نعطيها هي الحق ذاته؟
نرى كثيرًا من الرجال، بعد إنقضاء سنوات طويلة من العِشرة – لا يعلم خباياها إلا الله سبحانه وتعالى ثم هما – يتركون زوجاتهم لأخريات؛ لأنه زهدها، أو يبحث عن حب مراهق، أو لأنها أصبحت غير مناسبة له… والكثير والكثير.
إذا كنا قد أعطيناه هذا الحق، فلماذا ننكره على الزوجة التي تحملت ما لا يطيقه الرجال من أجل بيتها وأبنائها؟
فقد أنجبت، وربّت، وسهرت، وكبرت.
انتهت رسالتها الأدبية، لكن رسالتها المعنوية لن تنتهي أبدًا.
فلماذا ينكر الأبناء عليها هذا الحق؟ لماذا يريدون منها تحمّل ضغوط وأعباء أصبحت غير قادرة على تحملها، إن لم يكن جسديًا فمعنويًا؟
لماذا يقف الأبناء في وجهها بحجة العِشرة، أو كلام الناس، أو غيره؟ بل ويتهمونها بالأنانية وحب النفس!
أتساءل: لو كان هذا الفعل قد صدر من الوالد، هل كانوا سيقفون في وجهه هكذا؟
أقول: الضغط والعيش الإجباري قد تنصاع له الأم وترضخ لحكمهم… ولكن، وااااه من "لكن"! سيكون هذا الحكم بمثابة الأشغال الشاقة المؤبدة لها؛ فهي التي ظلت سنوات مكبلة بأغلال الواجب والأبناء.
فلا تُكبِّلوها اليوم بقيود التقاليد، ولا تُغلّوها بقيد من حديد يُنهي ما تبقى لها من أمل في العيش الهادئ والراحة التي تنشدها لنفسها.
اتركوها تتخذ لنفسها منهجها الذي تجد فيه الراحة والسلوى، والمعين النفسي لما هو آتٍ من العمر المتبقي.
أقول للأبناء: رفقًا بالأم التي تعبت وربّت، ولم تلتفت إلى نفسها، ولم تنظر في مرآة حياتها خوفًا عليكم.
دعوها اليوم تنظر – ولو مرة واحدة – في هذه المرآة. دعوها تعيش وتسعد، وعِيشوا واسعدوا معها وبها. صدقوني، لن تندموا أبدًا.
تخيلوا معي حطام امرأة تعيش بنفسٍ وقلبٍ خاويين من الراحة والسعادة… ماذا ستعطي؟
جفّت ينابيع السعادة داخلها؛ دعوها تُجددها لتعطي أكثر.
سيدتي، أرجو أن أكون قد وُفِّقت في التخفيف عما تشعرين به ولو قليلًا.
وأقول للأبناء: رفقًا بالتي وضع الله الجنة تحت أقدامها.
ولكم التحية…
اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد.























