كرهت إيه؟ قراءة في وجع التعليم


بقلم د الهام الدسوقي
«كرهت إيه؟» سؤال يبدو بسيطًا، لكنه في الواقع مرآة صادقة لتجربة تعليمية مرّ بها المتعلم وتركَت أثرًا سلبيًا في نفسه. كثيرًا ما نسمع طالبًا يقول: كرهت المادة، أو كرهت المدرسة، أو حتى كرهت التعلم نفسه، وهنا لا يكون الكره موجَّهًا للعلم بقدر ما هو موجَّه لطريقة تقديمه. فالعقل البشري لا ينفر من المعرفة، لكنه ينفر من القهر، والتلقين، وغياب المعنى.
يُعد الكره مؤشرًا خطرًا، لأنه يدل على أن العملية التعليمية فقدت أحد أركانها الأساسية: الدافعية. فعندما يُختزل التعلم في حفظٍ بلا فهم، أو امتحان بلا هدف، يتحول من رحلة اكتشاف إلى عبء ثقيل. مثال ذلك طالب يقول: كرهت الرياضيات، بينما الحقيقة أنه كره أسلوب الشرح القائم على الحل النموذجي الواحد، دون ربط بالحياة أو السماح بالخطأ والمحاولة.
ومن أمثلة “الكره التعليمي” أيضًا كره القراءة، لا لأنها مملة بطبيعتها، بل لأنها قُدِّمت كواجب إجباري، مرتبط بالدرجات والعقاب، لا بالمتعة والمعنى. كثير من الطلاب ارتبطت القراءة لديهم بعناوين مفروضة ونصوص لا تعبر عن أعمارهم أو اهتماماتهم، فصار الكتاب رمزًا للضغط لا للخيال. هنا الكره لم يكن للقراءة، بل لطريقة فرضها.
أما أخطر صور الكره، فهي كره المدرسة نفسها. حين تتحول المدرسة إلى مكان يخلو من الأمان النفسي، ويكثر فيه التوبيخ والمقارنة والسخرية، فإن الطالب لا يكره الجدران، بل يكره الشعور بالعجز والدونية. مثال ذلك طالب يتعرض للتقليل أمام زملائه بسبب خطأ بسيط، فيرتبط المكان كله في ذاكرته بالإحباط، فيقول: كرهت المدرسة.
كل كره في التعليم له سبب تربوي، لا عيب فطري في المتعلم.
فالمعلم، والمنهج، وأساليب التقويم، والمناخ المدرسي، جميعها عناصر تصنع إما حب التعلم أو النفور منه. والسؤال الحقيقي ليس: كرهت إيه؟ بل: كيف صُنع هذا الكره؟ والأهم: كيف نحوله من جديد إلى شغف وحب واستعداد للتعلم؟
إصلاح التعليم لا يبدأ بإضافة محتوى، بل بإزالة أسباب الكره، وخلق تجارب تعلم إنسانية، يشعر فيها المتعلم أن له قيمة، وصوتًا، وحقًا في الفهم لا الحفظ فقط. حينها فقط، لن نسمع سؤال “كرهت إيه؟”، بل سنسمع إجابة مختلفة: حبيت أتعلم.
ليس كل كرهٍ نسمعه من طالب نزوة عابرة، ولا كل جملة تبدأ بـ«كرهت» دليل دلال أو كسل، بل إن هذا التعبير البسيط يخفي وراءه في كثير من الأحيان قصة نفسية كاملة، صنعتها التجربة التعليمية لا طبيعة المتعلم. من منظور نفسي سلوكي، فإن الكره في التعليم ليس موقفًا فكريًا، بل استجابة دفاعية تشكّلت لحماية الذات من ألم متكرر.
يؤكد علم النفس أن الإنسان لا ينفر من المعرفة، لكنه ينفر مما يؤذيه نفسيًا. حين يتعرض الطالب للفشل المتكرر، أو السخرية، أو المقارنة الجارحة، يبدأ العقل في البحث عن وسيلة للنجاة النفسية، فيحوّل الإحساس بالعجز إلى كره. فيقول الطالب: كرهت المادة بدلًا من أن يقول: أنا لا أفهم، لأن الكره أقل إيلامًا من الاعتراف بالعجز، وأكثر حفاظًا على صورة الذات.
ومن أخطر أسباب الكره التعليمي ما يتعلق بتهديد تقدير الذات. الطالب الذي يُوصم مرارًا بأنه «ضعيف» أو «غير مجتهد» يتبنى آلية انسحاب نفسي، فيقرر – دون وعي – أن يكره المجال الذي يفشل فيه، وكأن لسان حاله يقول: ما دمت لا أحبه، فلن يؤلمني الفشل فيه. هنا يصبح الكره وسيلة راحة نفسية، لا تمردًا سلوكيًا.
ولا يمكن إغفال البعد الاجتماعي في تشكيل هذا الشعور؛ فكثير من حالات الكره تُكتسب بالتقليد والنمذجة. عبارات يرددها الكبار مثل «المادة دي صعبة» أو «ولا حد بيحب الحساب» تُزرع في وعي الطالب قبل أن يخوض التجربة بنفسه، فيدخل التعلم محمّلًا بالخوف والتوقع السلبي.
ويخلص التحليل النفسي السلوكي إلى أن علاج الكره التعليمي لا يكون بالإجبار أو الضغط، بل بإعادة بناء الأمان النفسي داخل الفصل. نجاحات صغيرة، لغة تحترم الخطأ، تقويم يركز على التقدم لا المقارنة، ومعلم يدرك أن الكلمة قد تجرح بقدر ما قد تشفي؛ كلها أدوات قادرة على تفكيك الارتباط السلبي، وتحويل الكره إلى فضول، ثم إلى دافعية.
في النهاية، يبقى سؤال «كرهت إيه؟» سؤالًا مفتوحًا، لا يبحث عن إجابة سريعة، بل عن فهم أعمق. هو في حقيقته رسالة غير مباشرة تقول: تألمت هنا. والتعليم الإنساني الواعي هو ذاك الذي لا يكتفي بسماع الشكوى، بل يحاول أن يداوي مصدرها، حتى لا نُخرّج طلابًا يكرهون التعلم، بل بشرًا يحبون أن يفهموا.























