الأربعاء، 28 يناير 2026 11:54 مـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

د/ الهام الدسوقي تكتب .. الذئب في حضن أولادنا

بوابة المصريين


لم يعد الذئب اليوم يسكن الغابة، ولا يختبئ خلف الأشجار منتظرًا طفلةً صغيرة تسير في طريقها وحدها. لقد تعلّم الذئب درس الزمن، فخلع فروه الخشن، وارتدى وجهًا لطيفًا، واختار أن يسكن الشاشات الصغيرة في حضن أولادنا، يتسلل إليهم بلا صوت، ويبتسم لهم من خلف الكلمات والصور.
في قصة الطفلة والذئب، لم يكن الخطر في أن الذئب قويّ، بل في أنه كان مخادعًا. تكلّم بصوت ناعم، وادّعى الطيبة، وأقنع الطفلة أن تغيّر طريقها، أن تثق فيه، أن تبوح له بما لا ينبغي أن يُقال لغريب. وهكذا تمامًا يحدث اليوم في فضاء الإنترنت؛ حيث تبدأ الحكاية برسالة عابرة، أو تعليق بريء، أو طلب صداقة، ثم تتدرج الخطوات بهدوء، دون أن يشعر الطفل أنه اقترب من فم الذئب.
ذئاب العصر الحديث لا تُرى، ولا تُشمّ رائحتها، ولا يُسمع عواؤها. قد يكون الذئب حسابًا باسمٍ مستعار، أو صورة جذابة، أو شخصًا يدّعي أنه صديق، أو ناصح، أو حتى مُعجب. يزرع الثقة أولًا، ثم يحصدها خوفًا، أو تعلقًا، أو ابتزازًا، أو انزلاقًا إلى علاقات مشبوهة لا يفهم الطفل أبعادها ولا عواقبها. والأسوأ أن الطفل يظن نفسه آمنًا لأنه جالس في بيته، بينما الخطر يعبر إليه بلا أبواب ولا نوافذ.
المأساة الحقيقية ليست في وجود الذئب، فالذئاب وُجدت دائمًا، بل في غياب الوعي. حين نترك أبناءنا وحدهم في غابة الإنترنت دون خريطة، ولا بوصلة، ولا حكاية تحذّرهم. الطفلة في القصة أخطأت لأنها لم تُحسن التمييز بين النصيحة الصادقة والخديعة، وأولادنا اليوم قد يقعون في الفخ ذاته إذا لم نعلّمهم أن ليس كل ابتسامة أمانًا، ولا كل كلمة لطيفة حقيقة.
إن حماية أولادنا لا تكون بالمراقبة الصارمة وحدها، ولا بالمنع المطلق، بل بالحوار، وبناء الثقة، وتعليمهم كيف يقولون “لا”، وكيف يشكّون، وكيف يلجأون إلينا دون خوف أو خجل. علينا أن نعيد رواية القصة، لا لنخيفهم من الذئب، بل لنمنحهم الحكمة التي أنقذت الطفلة حين أدرك الكبار الخطر في الوقت المناسب.
فالذئب اليوم في حضن أولادنا، نعم… لكن القرار بألا يلتهم براءتهم ما زال بأيدينا.

مقالات الرأي