الأربعاء، 21 يناير 2026 07:08 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: شجرة في وجه العاصفة

بوابة المصريين

الجذور: في خمسينيات القرن الماضي، وتحديدًا في حي شبرا العريق بالقاهرة، نبتت بذرة فتاة تحمل من الطموح ما يتجاوز حدود جدران البيت والمدرسة. ولدت منى مينا في أسرة قبطية مصرية تؤمن بالعلم والقيم والعمل المجتمعي. كانت طفولتها مشبعة بحكايات عن الكرامة والعدالة، تغذت على مبادئ المساواة والانتماء، فانغرست في أعماقها جذور وعي مبكر بأن الوطن لا يُبنى إلا على أكتاف من يؤمنون بحق الجميع في الحياة الكريمة، لا على من يصمتون عن الظلم.

الجذع: دخلت منى كلية الطب بجامعة عين شمس، وهناك تشكل الجذع الصلب لشخصيتها. لم تكن الطبيبة الشابة تكتفي بالكتب والمناهج، بل كانت تقف في طليعة الصفوف في المظاهرات الطلابية خلال ثمانينيات القرن الماضي، وسط زخم من الأحلام الثورية والنضال من أجل مستقبل أكثر عدلًا. كانت من أبرز الوجوه في الحركة الطلابية، ومن أوائل المنادين بحرية التعبير، واستقلال القرار، وحقوق العمال والفلاحين.

تخرجت، لكنها لم تنفصل عن النضال. بل التحقت بميدان جديد: مهنة الطب، تلك الرسالة التي رأت فيها منى ميدانًا للنضال الأخلاقي والإنساني. مارست مهنتها في المستشفيات الحكومية، ورأت بأم عينيها الفجوة المهولة بين احتياجات المرضى وإمكانات الدولة. ومن هنا بدأت رحلتها الطويلة في الدفاع عن الحق في الصحة.

الفروع: لم تكن منى مينا طبيبة فحسب، بل نذرت نفسها لقيادة نضال طويل من داخل نقابة الأطباء. كانت من الأعضاء المؤسسين لتيار الاستقلال داخل النقابة، التي طالما شهدت صراعات بين من يريد أن يجعلها ذراعًا للدولة، ومن يريد أن يعيدها لصوت الأطباء.

برز اسمها كواحدة من أبرز الوجوه المدافعة عن حقوق الأطباء، خاصة في القرى والمناطق المهمشة، وارتفعت نبرتها مع تكرار الاعتداءات على الأطباء في المستشفيات، والإهمال المزمن في تطوير المنظومة الصحية. في عام 2011، ومع اندلاع ثورة 25 يناير، انطلقت فروع شجرة النضال نحو السماء؛ كانت منى مينا إحدى الأصوات النقابية التي ربطت بين مطالب الثورة وحقوق الأطباء.

ثم جاءت لحظة التتويج عندما تم انتخابها أمينًا عامًا لنقابة الأطباء عام 2013، لتصبح بذلك أول امرأة في تاريخ النقابة تشغل هذا المنصب. لكن الأهم أنها كانت صوتًا صلبًا في زمن الميوعة، وشجرة لا تنحني أمام العاصفة.

لم تكن شجرة منى مينا شجرةً للظل فقط، بل كانت مثمرة. فتحت بابًا واسعًا للنقاش العام حول الحق في الرعاية الصحية المجانية، فضحت الأزمات البنيوية في المنظومة الصحية، ووقفت ضد قرارات خصخصة المستشفيات، وطالبت بتوفير أدوات الحماية الشخصية للأطباء في عز أزمة كورونا.

وفي عام 2016، حينما صرحت بأن بعض المستشفيات تعيد استخدام المستلزمات الطبية بسبب نقص الموارد، تعرضت لحملة إعلامية شرسة وصلت إلى حد البلاغات الرسمية. لكنها لم تتراجع، وقالت عبارتها التي تشبه صوت شجرة تصرخ في العاصفة:

"لن أصمت عن قول الحقيقة… وإن كان الثمن أن يتم اغتيالي معنويًا."

لم تكن أوراقها تذبل. لقد علمت جيلاً من الأطباء أن النقابة ليست مجرد مبنى، بل هي ضمير حيّ. علّمت الجميع أن النضال لا يحتاج إلى لافتة حزبية، بل إلى ضمير حي.

اليوم، حتى بعد انتهاء فترتها في منصبها النقابي، تظل منى مينا شجرة بلوط راسخة. جذورها في الوعي الشعبي، جذعها في العمل النقابي، وفروعها تمتد إلى كل من قرر ألا يصمت بعد اليوم عن الظلم.

لقد صنعت منى مينا ظلًا كبيرًا يستريح فيه كل من يبحث عن الكرامة المهنية، العدالة الاجتماعية، والحق في الحياة. لم تكن مجرد طبيبة، بل ضوءًا ثابتًا في زمن الخداع.

"قد لا أستطيع تغيير العالم… لكنني لن أسمح للعالم أن يغيرني." – منى مينا

في معرض القاهرة الدولي للكتاب كتاب إنجازات مذهلة وقصة الدكتورة مني مينا واكثر من خمسون قصة اخرى بدأت من الصفر ووصلت إلى القمة.

مقالات الرأي

آخر الأخبار