هشام بيومي يكتب: دم يوسف… حين يصبح القتل “خطأً” بلا وزن أخلاقي


في فبراير 2023، وعلى طريق جانبي هادئ في حدائق أكتوبر، حيث لا زحام ولا ضغط ولا مفاجآت، صدم موتوسيكل يقوده شاب متهور طفلًا اسمه يوسف محمد ثروت.
لم يكن يوسف يعبر طريقًا سريعًا، ولم يكن هناك ظرف قهري أو خطر مفاجئ. كان طفلًا في مساحة يُفترض أنها آمنة. لحظة واحدة من الاستهتار أنهت حياة كاملة.
قانونًا، سُجلت الواقعة قتلًا خطأ.
والجاني؟
هرب، ثم حُكم عليه بسنة سجن وغرامة مالية، حكم يمكن سقوطه بعد سنوات قليلة.
وهكذا، يصبح دم يوسف في ميزان القانون رقمًا صغيرًا، وجريمة عابرة، وملفًا يُغلق.
لكن من يغلق ملف قلب أم؟
ومن يسقط حكم الفقد عن أسرة؟
الإشكالية الكبرى: هل كل “قتل خطأ” سواء؟
هنا بيت القصيد.
كيف يستوي:
القتل الخطأ الناتج عن تهور واضح
مع
القتل الخطأ الناتج عن ظرف قهري، أو خطأ بشري غير متعمد رغم الحذر؟
كيف نساوي بين:
سائق يقود بسرعة جنونية، في شارع جانبي، بلا ضرورة، بلا ضغط
وبين
سائق يسير بحذر، يفاجَأ بعطل مفاجئ أو شخص يندفع أمامه في طريق سريع؟
القانون، في صورته التقليدية، يميل إلى التعميم:
> طالما لا توجد نية قتل صريحة = قتل خطأ.
لكن العدالة ليست رياضيات،
والنية ليست المعيار الوحيد،
بل درجة الاستهتار، ووضوح الخطر، وسلوك الجاني قبل الحادث وبعدها.
التهور: جريمة مقنّعة باسم الخطأ
التهور ليس خطأ بريئًا.
التهور قرار واعٍ بتجاهل الخطر.
من يقود موتوسيكل بسرعة في شارع هادئ:
يعلم أن الطريق ليس للحركات الاستعراضية
يعلم أن الأطفال والمارة موجودون
يعلم أن الموتوسيكل بلا حماية حقيقية
ومع ذلك يختار المخاطرة.
هذا ليس “خطأ لحظيًّا”،
بل سلوك إجرامي ممتد قبل وقوع الحادث.
في كثير من الدول، يُصنف هذا الفعل تحت:
القتل الخطأ المشدد
أو القتل نتيجة إهمال جسيم
أو حتى القتل غير العمد مع سبق استهتار
أما عندنا، فيُختزل في:
> سنة حبس… وغرامة.
حوادث مشابهة تكررت:
أطفال دهسهم سائقون في شوارع جانبية
شباب فقدوا حياتهم بسبب سباقات موتوسيكلات
أسر تحولت بيوتها إلى عزاء دائم
وفي أغلب القضايا:
الحكم مخفف
التنفيذ غير رادع
وسقوط العقوبة بمرور الزمن
الرسالة غير المعلنة للمجتمع:
> يمكنك أن تقتل دون قصد… وتكمل حياتك.
لكن الرسالة التي تصل للأهالي:
> حياة ابنكم لا تساوي أكثر من ملف جنحة.
الأثر الحقيقي للحكم… ما لا يراه القانون
القانون يرى:
متهم
جنحة
عقوبة محددة
لكنه لا يرى:
أم تستيقظ كل صباح على صدمة الفقد
أب يشعر بالعجز والغضب والذنب
بيت فقد ضحكته
أسرة تعيش حدادًا طويلًا بلا اعتراف اجتماعي كافٍ
الحكم البسيط لا يُشعر الأسرة أن العدالة أُنجزت،
بل يُشعرها أن الدولة لم تنحز للحياة.
سؤال العدالة الحقيقي
ليس السؤال:
> هل الجاني قصد القتل؟
بل السؤال:
> هل كان سلوكه يجعل الموت احتمالًا واضحًا؟
إذا كان الجواب نعم،
فنحن لا نتحدث عن “خطأ”،
بل عن استهانة بالحياة.
نحتاج إلى:
عدالة آكثر إنصافآ
1. تفريق قانوني واضح بين:
الخطأ البسيط
الإهمال الجسيم
التهور العلني
2. تشديد العقوبة في حالات:
القيادة في مناطق سكنية
الهروب بعد الحادث
عدم امتلاك رخصة أو التزام مروري
3. الاعتراف بحق الضحايا نفسيًا ومعنويًا، لا ماديًا فقط
4. رسالة ردع حقيقية: الحياة ليست تفصيلة
يوسف لم يمت فقط تحت عجلة موتوسيكل،
بل تحت ثقل قانون لا يفرّق بما يكفي بين الخطأ والتهور.
والسؤال الذي سيظل معلقًا:
> إذا كان هذا هو ثمن حياة طفل…
فكيف نطلب من الناس أن يثقوا في العدالة؟
العدالة لا تُقاس بعدد السنوات في الحكم،
بل بإحساس المجتمع أن الحياة مصونة، وأن الاستهتار له ثمن حقيقي.























