فيفيان سمير تكتب: الإغراق المعلوماتي


في عالمٍ لم تعد فيه المسافات تعني البعد، والزمن لم يعد حاكما لتدفق الأحداث، في زمن الفيضان الرقمي، حيث تتدفق المعلومات كأنهار خارجة عن ضفافها، نجد أنفسنا غارقين في محيط لا قاع له من البيانات. إنه طوفان يُغرِق العقول، فيُحول بحر المعرفة الذي حلم به أجدادنا إلى شيءٍ أشبه بضجيجٍ كوني عاصف. نعيش في فضاءٍ مزدحم بالأصوات. وفي خضم هذه العاصفة الهائلة، تضطرب بوصلة الروح، ويُستبدَل عمق التأمل بسرعة الالتقاط، ويُستبدَل صمت التبصّر بضجيج الاستهلاك. لم تعد المعرفة هي ذلك الكنز النادر الذي نبحث عنه في زوايا المكتبات القديمة، أو ننتظره بشغف على صفحات الجرائد الورقية، بل أصبحت سيلًا جارفًا يطرق أبواب عقولنا وعيوننا في كل لحظة وكل دقيقة، دون استئذان ودون توقف.
إن هذا الإغراق له وجهان، وجه مضيء وآخر مُظلِم. فمن ناحية، كسرت الشبكة العنكبوتية قيود الوصول إلى المعرفة، فأصبحت حكمة الحكماء وبحوث العلماء وكُتب المكتبات العتيقة على بُعد نقرات قليلة. لقد وُلدنا في عصر لم يعد حكرا على نخبةٍ تحجز المعرفة في أبراج عاجية، بل أصبح بحرا مفتوحا للجميع، وهبةً عظيمة لمن يملك بوصلةً وشجاعةً الابحار نحو الأعماق. هو انعتاق للفضول، وتكريس لحق الإنسان في المعرفة.
قد يبدو للوهلة الأولى أن هذا الكم الهائل من البيانات والتقارير والأخبار هو نعمة كبرى وتطور لا مثيل له، لكن لو تدبرنا الأمر بعمق لوجدنا أن "الإغراق المعلوماتي" قد تحول إلى سيف ذو حدين، وربما في كثير من الأحيان يغدو لعنةً تهدد سلامتنا النفسية والعقلية أكثر مما كنا نتخيل.
هل تعلم أن هذا الطوفان الرقمي قد يكون أشد خطورة من "شح المعلومات" نفسه؟ في زمن الشح، كان الإنسان يتحرك بدافع الحاجة، كان البحث عن معلومةٍ ما رحلة استكشافية تثبت العقل وتشعل شرارة الفضول، وكانت المعلومة حين تصل إلينا نقيةً وناضجة، نستسيغها ونتذوق طعمها، فتغذي الروح وتنمي العقل. أما اليوم، فنحن أمام مأدبةٍ ضخمةٍ لا تنتهي، لكن أطباقها مليئة بالوجبات السريعة قليلة النفع بل ربما تكون مليئة بما يسمم القلب ويشوش الذهن.
لذلك فالوجه الآخر، وهو الأكثر سطوة في حيواتنا اليومية، هو وجه الإغراق السلبي. لقد تحول البحر إلى سيل جارف، يُلقى إلينا بقطعٍ متفرقة من أخشاب السفن الغارقة، فنمسك ببقايا معلومات سريعة، طافيةً على السطح، بلا جذور ولا سياق. لقد صرنا نتلقّف "الوجبات السريعة" المعرفية، التي تشبع الرغبة الآنية في الاطلاع، ولكنها تفتقر إلى العناصر المغذية للعقل والروح. هذه الوجبات تبرمج العقل على الخمول، فلمَ يعاني في البحث الطويل، وفي تنقية المصادر، وفي التأمل العميق، وفي بناء المعرفة لَبِنَةً لَبِنَة، وهو يجد كل شيءٍ مُقدما في صورةٍ مختصرة، وجذابة، ولكنها للأسف مشوهة غالبا.
وهكذا يتحول الباحث الشغوف إلى مستهلكٍ سلبي. يتوقف إبداعه لأن المعلومة الجاهزة تقتل السؤال، والتلقين يقتل التلقي الفاعل. لم نعد نسأل "كيف؟" أو "لماذا؟"، بل اكتفينا بـ "ماذا؟". يتشوه فضولنا الأصيل، ذلك المحرك الأساسي لكل اختراع وإبداع، ليصير مجرد رغبة عابرة في التصفح والتمرير. إن العقل الذي يتغذى على القطع السريعة والمتلاحقة يفقد قدرته على الهضم الفكري، على التحليل، على الربط بين المجالات المتعددة، على ولادة الأفكار الجديدة من رحم التأمل الطويل. إنه إشباع ظاهري يقنعنا بأننا نعرف كل شيء، بينما نحن في الحقيقة نلمس فقط قشور الأشياء.
إن التشتت الذي يعاني منه أبناء هذا الجيل ليس مجرد حالة عابرة، بل هو نتيجة حتمية لهذا الانفجار المعرفي. أصبحنا نتنقل بين الأخبار والمقاطع والآراء والمواضيع بسرعة البرق، نقرأ عناوين الأخبار دون أن نغوص في عمقها، نشاهد الفيديوهات ونستمع للصوتيات ونحن في حالة من الاستعداد الدائم للانتقال لما هو أحدث، وما هو أكثر إثارة، وما هو أكثر ضجيجا. إنه "رهاب فوات الشيء" (FOMO) الذي يجعلنا نعيش في قلق دائم، وكأننا نركض في ماراثون لا خط نهاية له، نلتقط أنفاسنا هنا لنفقدها هناك؛ فتصير أرواحنا كفراشات حائرة، تلمس زهرةً ثم تطير إلى أخرى قبل أن تتذوق رحيق أي منها. يضيع التركيز، ويتبخر الصبر، ويندثر ذلك الصمت الخلاق الذي تُولد فيه الأعمال الكبيرة والأفكار العظيمة.
الخطر الحقيقي يكمن في أن هذا الزخم المعلوماتي يفقدنا "القدرة على التأمل". فالتأمل، تلك الميزة التي تميزنا كبشر، يحتاج إلى وقت، وسكينة، وهدوء، وهي شروط غابت تماما في عصر السرعة. إن عقلًا يتلقى آلاف المحفزات في اليوم لابد وأن يصاب بالشلل، أو ينسحب إلى أزقة النسيان هربا من هذا الضجيج، تماما كما يفعل الجسد حين يواجه صدمةً قوية فيرتد للجمود.
إن شح المعلومات كان يدفعنا للإبداع بحثا عن الحل، وكان يفرض علينا التواصل الحقيقي مع الآخرين للاستفادة من تجاربهم، بينما الإغراق المعلوماتي يعزلنا، يغرقنا في وهمٍ من المعرفة السطحية التي لا تغني ولا تسمن من جوع. نحن نعرف كل شيء عن العالم، ولا نعرف شيئا عن أنفسنا. نعرف تفاصيل حياة نجوم لم نلقهم، ونجهل مشاعر من يجلس بجانبنا في نفس الغرفة.
هذا السيل الجارف يقتل "الحدس" و"العمق"، ويحولنا إلى مجرد مستهلكين سلبيين للمعرفة، بدلا من أن نكون صناعا لها. إنه يشتت ذاكرتنا، ويجعلنا عاجزين عن اتخاذ القرارات، لأن الخيارات أمسكتنا من كل حدب وصوب، وأصبح التفكير في العواقب أمرا مرهقا ومستنزفا للطاقة.
من هنا، تتبين لنا الحقيقة المريرة؛ فالجوع للمعلومة كان يحيي فينا الرغبة في التعلم والنمو، أما الشبع المفرط حد التخمة؛ فأصبح يعودنا على الكسل والترقب السلبي، ويقتل فينا روح المبادرة. إن الإغراق المعلوماتي هو "قاتل بطيء" للإرادة والتميز، يحولنا إلى مجرد نسخ متشابهة تردد ما يُقال لها دون تفكير أو تمحيص.
التحدي الحقيقي في عصر الإغراق المعلوماتي ليس في الحصول على المعلومة، بل في بناء "مناعةٍ فكرية". هو في القدرة على السباحة ضد التيار، على إطفاء الضجيج لاستعادة حُرمة الصوت الداخلي. المعرفة الحقيقية لم تكن يوما في تراكم الحقائق، بل في العمق الذي نغوص به لتفهمها، وفي السياق الذي نضعها فيه، وفي الحكمة التي نستخلصها منها. لذلك، يا صديقي، حان الوقت لنقول "كفى". علينا أن نتعلم فن "الاختيار"، فن "الرفض الذكي"، أن نغلق نوافذنا التي فتحت على مصراعيها أمام العاصفة الرقمية، ونفتح نوافذ الروح للهدوء وللتفكر. لنختار ما يفيدنا ويثري تجربتنا، ولنرفض ما يشوش أذهاننا ويشتت أفكارنا. المعرفة الحقيقية ليست في الكم بل في القيمة، ليست في "المقدار" بل في "التأثير". فاجعل من عقلك بستانا تختار لأشجاره أفضل البذور، وليس مستودعا تُلقى فيه كل النفايات.
في هذا العالم الصاخب، خذ لحظة من الصمت، تنفس بعمق، وتذكر أن الهدوء هو القوة الحقيقية التي تمكنك من التمييز بين الغث والسمين في بحر هذا الإغراق المعلوماتي المتلاطم.
























