الإثنين، 1 يونيو 2026 03:37 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: حين يجهل الفيلسوفُ عُمرَ الفيل

بوابة المصريين

في غمرة العجز عن تطويع إيران، التفت الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى سلطنة عُمان يهددها، لا لشيء إلا لأنها تمارس ما ورثته من أجدادها: فن الاحتواء والوساطة. لم يدرك الرجل، وهو يزمجر في فراغ قوته، أنه إنما يخاطب بلداً لا تُقاس أعمارُ الدول في سجلاته بعقود الانتخابات الرئاسية، بل بطبقات الحضارة المتراكمة كأصداف البحر على شواطئ صلالة وصور.

إن مأساة ترامب، كما تجلت في ولايته، لا تكمن في كونه زعيماً ذا سياسةٍ عدوانية فحسب، بل في "تبلّد إدراكي" يحيل العالم من حوله إلى مجرد صفقة عقارية مؤجلة. إنه فاقد الإحساس بتلك الخيوط العميقة التي تنسجها الذاكرة الجمعية للشعوب، ذاكرة لا تنسى، ولا تغفر لمن يأتيها من الخلف غافلاً عن تاريخها. لو أنه أمضى دقيقة واحدة متأملاً خرائط الزمن، لعلم أن نظرة الإنسان في الخليج إلى واشنطن قد انقلبت على عقبها، فلم تعد تلك القوة التي لا تُقهر، ولا "الحارس الجسور" الذي يصد الريح عن الخيام.

لقد أسقطت وقائعُ الحرب الأخيرة الأقنعةَ عن الإمبراطورية، فأبانت هشاشة مَن عبدوا القوة. عجزت أمريكا عن حماية قواعدها الممتدة من الظهران إلى العديد، فكيف بها تحمي دولاً وشعوباً؟ حين صارت القواعد العسكرية نقاط ضعف لا نقاط قوة، أدرك الخليجيون أن الذئب الموعود لا يملك أنياباً كافية، بل لعله يُسلِم القطيع للعاصفة هرباً. هنا، وفي هذه اللحظة الفارقة من الوعي، لم تعد أمريكا "مأمونة أخلاقياً"، ولا مضمونة استراتيجياً، وتحولت العلاقة من تحالف الضرورة إلى توجس الندية.

يزداد الطين بلةً أن ترامب لا يرى في خصومه سوى "تجمعات لأشتات من البشر"، شعوباً طارئة لا جذور لها في التربة. كما صُنعت "إسرائيل" على أنقاض قرى فلسطينية هُجّر أهلها في 1948 و1967. إنه يتوهم أن منطقتنا مجرد أرض بلا شعب، تصلح لإعادة التدوير السياسي، غافلاً أننا أمام شعوب لم تنقطع عنها سلالة الحضارة منذ فجر التاريخ.

وهنا تكمن المفارقة التي تغيب عن ذهن الرجل: إن أهل الحضارات، بعكس الطارئين على التاريخ، لا يجزعون من "غشم القوة" المتفلتة من عقالها. لديهم تجربة موغلة في القدم في التعامل مع الطغاة، خلاصتها أن القوة الغاشمة كالنهر الهائج، يصطدم بصخرة الصبر فيتحول إلى رذاذ، ثم يتبخر في فراغ الزمن. إنهم يُفرغون القوة من مضمونها في صبر وأناة، لا بالمواجهة المباشرة التي يطلبها الأقوياء، بل بالمقاومة السلبية العميقة التي تحول وجودهم ذاته إلى تحدٍ لا يُقهر.

يمضي التاريخ في مساره: الأقوياء الغشومون، مهما بلغت جبروتهم، يندحرون، ولو بعد وقت. جيوشهم تعود أدراجها، وقصورهم تتهدم، وقراراتهم تصبح أثراً بعد عين. أما الشعوب العريقة فتبقى في مكانها، تنفض عن كاهلها غبار المعركة، وتسقي نخيلها من جديد. إنها لا تنسى ما جرى، ولكنها تخزنه في ذاكرتها المديدة كفصلٍ من فصول الحكمة، لا كختامٍ للمأساة. تدرك أن التاريخ لا يكتبه المنتصر في معركة، بل يكتبه الصابر على مجرى الأيام.

إن تهديد عُمان ليس إلا فصلاً جديداً في كتاب الغطرسة الذي سرعان ما تأكله النار. فحين يصمت الفيلسوف، فإنه لا يخاف، بل يعد العدة ليواصل المسير، تاركاً للفيل أن يرقص في الظلام، إلى أن يدرك، متأخراً، أن الأرض التي يدوسها ليست سوى جسد حضارةٍ لا تموت.

مقالات الرأي

آخر الأخبار