هشام بيومي يكتب: النص الغائب الحاضر في نشيد الأنشاد


ليست خطورة النصوص المقدسة في كلماتها، بل في الطريقة التي تُقرأ بها. فالنص الواحد قد يتحول إلى جسرٍ بين البشر، وقد يصبح وقودًا لصراعٍ لا ينتهي، إذا اقتُطع من سياقه، أو احتُكر تفسيره، أو حُمِّل ما لم يقصده كاتبه ولا قارئوه الأوائل.
ومن بين النصوص التي أثارت جدلًا تجاوز حدود الدين إلى السياسة، يبرز ذلك المقطع القصير المستخرج من نشيد الأنشاد، والذي عُرف في الأدبيات الحاخامية باسم «القسمات الثلاث». إنه نص صغير في حجمه، لكنه كان من أكثر النصوص تأثيرًا في تشكيل الجدل اليهودي الحديث حول الصهيونية، وقيام دولة إسرائيل، وحدود العلاقة بين الإرادة الإلهية والفعل السياسي.
لقد أصبح هذا النص حاضرًا في كل نقاش سياسي وفقهي، رغم أنه ظل قرونًا طويلة غائبًا عن دائرة الصراع. ومن هنا جاءت مفارقته؛ فهو النص الغائب الحاضر.
فنشيد الأنشاد نفسه ليس كتابًا سياسيًا، ولا رسالةً تشريعية، ولا سفرًا يتحدث عن الحروب أو الدول. إنه قصيدة حب، تتدفق بالصور الشعرية والمشاعر الإنسانية، حتى يبدو للقارئ لأول وهلة أنه يحتفي بعلاقة عاشقين لا أكثر. غير أن التقليد الحاخامي القديم لم يتوقف عند ظاهر الكلمات، بل رأى في العاشق رمزًا لله، وفي المحبوبة رمزًا لجماعة إسرائيل، ورأى في الشوق صورةً للمنفى، وفي الوصال وعدًا بالخلاص الإلهي.
ولعل هذه المكانة الخاصة هي التي دفعت الحاخام ** إلى إطلاق وصفه الشهير على السفر حين قال: «كل الكتب مقدسة، أما نشيد الأنشاد فهو قدوس الأقداس.» ولم يكن يقصد جماله الأدبي فحسب، بل كان يشير إلى أن خلف اللغة الشعرية طبقات من المعاني تنتظر من يكشفها.
ومن قلب هذا السفر استخرج الحاخام ** تفسيرًا أصبح لاحقًا أحد أكثر النصوص إثارة للجدل في التاريخ اليهودي. فقد توقف عند الآية التي تتكرر ثلاث مرات:
««أقسمت عليكم يا بنات أورشليم بالظباء أو بأيائل الحقل، ألا توقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء.»»
وفي القراءة الرمزية أصبحت «بنات أورشليم» رمزًا لأمم العالم، وأصبح «الحبيب» رمزًا للخلاص الإلهي، بينما تحول النهي عن إيقاظه إلى تحذير من استعجال الخلاص قبل موعده الذي حدده الله.
ومن هنا نشأت فكرة القسمات الثلاث: ألا يصعد بنو إسرائيل إلى أرضهم بالقوة الجماعية، وألا يتمردوا على الأمم، وألا تبالغ الأمم في اضطهادهم.
للوهلة الأولى يبدو الأمر مجرد تفسير ديني، لكنه في الحقيقة تحول بعد قرون إلى أحد أكثر النصوص تأثيرًا في الصراع داخل الفكر اليهودي الحديث. فبينما رأى فيه تيارٌ ديني مانعًا شرعيًا من إقامة دولة يهودية قبل مجيء الماشيح، اعتبره التيار الصهيوني تفسيرًا لا يُلزم الواقع السياسي، وأن ظروف التاريخ تجاوزته.
وهكذا خرج النص من فضاء التأمل الروحي إلى ميدان السياسة، ومن محراب التفسير إلى ساحات الصراع على الشرعية. لم تعد القضية تفسير آية في سفر شعري، بل أصبحت سؤالًا عن مصدر السلطة: هل يصنع التاريخ إرادة الإنسان، أم أن الإنسان ينتظر التاريخ الذي يكتبه الله؟
وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن السفر الذي كُتب أصلًا ليحكي قصة حب، أصبح أحد النصوص المؤسسة لأعنف جدل سياسي ولاهوتي في التاريخ اليهودي الحديث. وهكذا يثبت التاريخ مرة أخرى أن أخطر النصوص ليست تلك التي تدعو إلى الحرب صراحة، بل تلك التي يُعاد تأويلها حتى تصبح جزءًا من معارك لم تكن يومًا موضوعها.
























