الجمعة، 17 يوليو 2026 02:36 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

د. امينة زنون تكتب: الوعي، ترياق الأوطان في زمن الفوضى الرقمية

بوابة المصريين

تبدأ نهضة الأمم ببناء الإنسان ودرجة الوعي لديه ، فأزمة المجتمعات ليست دائمًا أزمة إمكانات، بل قد تكون أزمة فكر ووعي.
في عصر الثورة الرقمية، لم تعد الحروب تُخاض بالسلاح وحده، بل أصبحت تُدار بالكلمة والصورة والمعلومة، وأصبحت الشائعة تنتقل في ثوانٍ، بينما يحتاج تصحيحها إلى وقت وجهد. ولهذا أصبح الوعي هو خط الدفاع الأول، لأنه يحصن العقل من التضليل، ويمنح الإنسان القدرة على التفكير قبل التصديق، وعلى التحقق قبل النشر، وعلى الحوار قبل إصدار الأحكام. كما أن التفكير الناقد هو الذي يحمينا من خطر الشائعات الإلكترونية وغيرها، لأنه يساعدنا على التمييز بين الخبر الصحيح والمعلومة المضللة، فلا ننخدع بما يُنشر بسرعة ولا نساهم في نشر ما يضر المجتمع
فقد أصبح التفكير الناقد أحد أهم أدوات حماية الأوطان من خطر الشائعات، فالشائعة لا تنتشر بقوتها، بل بضعف القدرة على تمحيصها والعقل الناقد لا يرفض كل ما يسمع، ولا يقبل كل ما يُنشر، بل يسأل: ما مصدر هذه المعلومة؟ وما الدليل على صحتها؟ وهل توجد أدلة مستقلة تؤيدها؟ وبهذا التفكير الواعي يتحول الفرد من ناقلٍ للشائعة إلى حاجزٍ يمنع انتشارها، ومن متلقٍ سلبي إلى مواطن مسؤول يحمي مجتمعه من التضليل وإثارة الفتن
إن الوعي لا يعني أن يعرف الإنسان الكثير، بل أن يعرف كيف يفكر. فهناك فرق كبير بين من يحفظ المعلومات، ومن يحسن تحليلها وربطها بالواقع، والعقل الواعي لا ينجرف مع الرأي السائد لمجرد أنه الأكثر انتشارًا، بل يبحث عن الدليل، ويزن الأمور بعقل منفتح، ويقبل مراجعة أفكاره إذا ظهرت له حقائق جديدة
ومن هنا، فإن كل موضوع يستحق البحث يحتاج إلى عقل واعٍ، ومفكر، وناقد، فالعقل الواعي يدرك أن الحقيقة لا تُبنى على الانفعالات، والعقل المفكر يحول المعرفة إلى حلول، والعقل الناقد لا يهدم الأفكار، بل يمحصها ويختبرها ويعيد بناءها على أسس علمية، وهذا هو التفكير الذي يصنع الباحث الحقيقي، والمواطن المسؤول، وصانع القرار الحكيم
لقد قال الأديب الكبير طه حسين ( لتعليم كالماء والهواء) وإذا كان التعليم يفتح أبواب المعرفة، فإن الوعي هو الذي يمنح هذه المعرفة قيمتها، لأنه يحولها إلى سلوك ومسؤولية ومشاركة إيجابية في بناء المجتمع
إن بناء الوعي يبدأ من الأسرة التي تغرس القيم، ومن المدرسة التي تعلم التفكير، ومن الجامعة التي تنمي البحث العلمي، ومن الإعلام الذي يلتزم بالمصداقية، ومن كل فرد يدرك أن الكلمة أمانة، وأن نشر معلومة غير صحيحة قد يضر مجتمعًا بأكمله
فيبقى الوعي أعظم استثمار يمكن أن تقدمه أمة لأبنائها، لأنه يصنع إنسانًا يرى بعقله قبل عينيه، ويزن الأمور بالحكمة قبل العاطفة، ويؤمن بأن حب الوطن لا يكون بالشعارات وحدها، بل بالعلم، والعمل، والصدق، والمسؤولية
فالوعي ليس مجرد معرفة، بل هو أسلوب حياة، ومنهج تفكير، ورسالة حضارية. وإذا كان لكل وطن جيش يحمي حدوده، فإن له أيضًا عقولًا واعية تحمي هويته، وتصون وحدته، وتقوده إلى مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا وازدهارًا
إن أخطر ما يواجه الأوطان ليس كثرة الشائعات، بل غياب العقول الناقدة القادرة على كشفها، فكلما ارتفع مستوى التفكير الناقد والعقل الواعي ، انخفض تأثير التضليل، وازداد تماسك المجتمع، وأصبح الوعي حصنًا منيعًا يحمي الوطن وأجياله القادمة
فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي بيئة خصبة لانتشار الشائعات الإلكترونية، حيث يقوم كثير من الأفراد بمشاركة المنشورات وإعادة نشرها بصورة تلقائية، دون التحقق من صحتها أو تقصي مصادرها ولا يقتصر أثر هذا السلوك على تداول معلومات غير دقيقة، بل قد يسهم في تضليل الرأي العام، وإثارة القلق والخوف، وإحداث حالة من البلبلة داخل المجتمع.
فقد شهدنا في الآونة الأخيرة أمثلة عديدة لمنشورات جرى تداولها على نطاق واسع دون تحرٍ أو تقصٍ للحقيقة.
فقد يعيد بعض الأفراد مشاركة منشور يتحدث عن وفاة شخصية معروفة، أو اختفاء طفل، أو وقوع كارثة، أو صدور قرار حكومي، دون التأكد من مصدر الخبر أو صحته. وفي كثير من الأحيان يتبين لاحقًا أن هذه الأخبار كانت مضللة، أو مجتزأة من سياقها، إن خطورة هذا السلوك لا تكمن في مجرد الضغط على زر "المشاركة" بل في أن كل مشاركة قد تسهم في توسيع دائرة التضليل، وإثارة الخوف والفتن داخل المجتمع. لذلك فإن المسؤولية الأخلاقية والوطنية تقتضي أن نتوقف لحظة قبل إعادة النشر.
إن زر "المشاركة" ليس مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل هو مسؤولية. فكل فرد قد يكون حلقة في نشر الحقيقة، أو حلقة في انتشار الشائعة.
وهنا يتجلى دور الوعي في حماية المجتمع، لأن الأوطان لا يحميها السلاح وحده، وإنما تحميها أيضًا عقول واعية لا تنقل إلا ما تثبتت من صحته.
فعلى كل مواطن أن يتحرى الدقة قبل إعادة نشر أي خبر، فمن أحب وطنه حرص على نشر الحقيقة، ولم يكن أداةً في ترويج الشائعات.
وتشير هذه الظاهرة إلى أهمية تنمية الوعي الرقمي والتفكير الناقد، إذ إن الفرد الذي يمتلك مهارات التفكير الناقد لا يندفع إلى تصديق كل ما يقرأ أو يشاهد، بل يتوقف ليتساءل: ما مصدر هذه المعلومة؟ وهل تستند إلى أدلة موثوقة؟ وما الغرض منها؟ وهل نُشرت من جهة رسمية؟ ومن ثم يتخذ قرارًا واعيًا بشأن تصديقها أو مشاركتها.
فالتفكير الناقد يمثل خط الدفاع الأول ضد الشائعات، ويُعد أحد أهم مقومات حماية المجتمع في العصر الرقمي
وتتجلي أهمية التفكير والتدبر فيما دعا الله سبحانه وتعالى عباده إليهما مرارًا في كتابه الكريم. فقد امتلأ القرآن الكريم بالآيات التي توقظ العقل، وتحث الإنسان على التأمل والتفكر وإعمال العقل،
فقال تعالى ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
وقال جل شأنه ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾
وقال عز وجل ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾

وهذه النداءات القرآنية المتكررة تؤكد أن الإسلام لا يدعو إلى التقليد الأعمى أو الانسياق خلف الظنون، وإنما يدعو إلى بناء عقل واعٍ، يتأمل، ويتحقق، ويتدبر ويزن الأمور بميزان الحكمة والدليل.
ومن هذا المنطلق، يصبح التفكير والتدبر ليس مجرد مهارة معرفية، بل قيمة دينية وحضارية، تحمي الإنسان من الوقوع في براثن الشائعات والتضليل. فالعقل الذي أمره الله بالتدبر لا يمكن أن ينساق وراء كل ما يُنشر، ولا أن يشارك الأخبار دون تثبت، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾
فالتثبت من الأخبار، وإعمال العقل، وتحري الحقيقة، ليست مجرد سلوكيات اجتماعية راقية، بل هي توجيهات ربانية تُسهم في حماية الأفراد والمجتمعات، وتصون الأسر ومن ثم الأوطان من آثار الشائعات والفتن.

مقالات الرأي

آخر الأخبار