هشام بيومي يكتب: حين يتحول التفسير إلى عقيدة


كيف استخرج الحاخامات القسمات الثلاث من نشيد الأنشاد، ولماذا قبلها جمهور اليهود قرونًا طويلة؟
ليس كل نصٍّ يصنع عقيدة، ولكن كل عقيدة تبدأ بتفسير.
فالكلمات، مهما بلغت قدسيتها، تبقى حروفًا صامتة حتى يأتي من يمنحها معنى، ثم يأتي جيل آخر يمنح هذا المعنى سلطة، ثم يأتي التاريخ ليمنحه قوة القانون. وعند تلك اللحظة لا يعود الناس يتعاملون مع التفسير بوصفه اجتهادًا بشريًا، بل بوصفه الحقيقة الوحيدة الممكنة.
وهذا ما حدث مع "القسمات الثلاث".
فلم ترد هذه القسمات كنص مستقل في التوراة، ولم تُكتب في صورة وصايا تشريعية ملزمة، ولم يتحدث عنها الأنبياء باعتبارها قانونًا يحكم مستقبل إسرائيل. وإنما وُلدت من تفسير حاخامي لآية شعرية تكررت ثلاث مرات في سفر نشيد الأنشاد:
«"أقسمت عليكم يا بنات أورشليم بالظباء أو بأيائل الحقل، ألا توقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء."»
ولولا هذا التفسير، لبقيت الآية واحدة من الصور الشعرية الكثيرة التي يزخر بها السفر. لكن العقل الحاخامي لم يكن يقرأ النصوص بوصفها أدبًا، بل بوصفها طبقات متراكبة من المعاني، لكل طبقة رسالة إلهية تنتظر من يكتشفها.
ومن هنا جاء تفسير الحاخام يوسي بن حانينا، الذي رأى أن تكرار صيغة القسم ثلاث مرات لم يكن تكرارًا بلاغيًا، بل إعلانًا عن ثلاث مواثيق إلهية تحكم العلاقة بين الله، وشعب إسرائيل، وأمم العالم.
وهكذا صاغ التلمود البابلي ما عُرف لاحقًا بالقسمات الثلاث:
- ألا يصعد بنو إسرائيل إلى أرض إسرائيل بالقوة الجماعية.
- وألا يتمردوا على الأمم التي يعيشون بينها.
- وألا تفرط الأمم في اضطهاد إسرائيل.
وللوهلة الأولى قد يبدو هذا مجرد تفسير رمزي، لكن أهميته لا تكمن في كونه تفسيرًا، بل في أنه تحوّل مع مرور الزمن إلى قاعدة تحكم السلوك الجماعي لليهود في المنفى.
وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية:
كيف يتحول تفسير إلى عقيدة؟
الإجابة تكمن في طبيعة الفكر الحاخامي نفسه.
فبعد تدمير الهيكل الثاني سنة 70م، وجد اليهود أنفسهم بلا هيكل، ولا مملكة، ولا سلطة سياسية. ولم يبق أمامهم سوى النص. ومنذ تلك اللحظة أصبح الحاخام هو الحارس الحقيقي للهوية اليهودية، وأصبح التفسير هو الأداة التي تُدار بها حياة الجماعة.
لم يكن التلمود مجرد كتاب فقه، بل كان دستورًا للحياة اليومية. فهو الذي يحدد العبادة، والمعاملات، والقضاء، والتعليم، بل وحتى صورة العلاقة مع العالم الخارجي.
ولذلك لم يكن تفسير يوسي بن حانينا رأيًا معزولًا، بل دخل في نسيج الفقه الحاخامي، وأصبح جزءًا من الوعي الجمعي اليهودي.
كما أن الظروف التاريخية ساعدت على ترسيخه.
فاليهود عاشوا بعد خراب الهيكل مشتتين داخل إمبراطوريات متعاقبة؛ الرومانية، والفارسية، ثم الإسلامية، ثم الأوروبية. وكانت أي محاولة للتمرد العسكري تعني غالبًا كارثة جديدة، كما حدث بعد ثورة بار كوخبا في القرن الثاني الميلادي، التي انتهت بسحق التمرد وتشديد النفي.
وفي ظل هذه التجارب المريرة، بدا تفسير القسمات الثلاث تفسيرًا واقعيًا بقدر ما كان دينيًا.
لقد منح الجماعة فلسفة للصبر.
فبدلًا من انتظار الخلاص بالسيف، أصبح الخلاص وعدًا إلهيًا لا يجوز استعجاله.
وبدلًا من إقامة الدولة بالقوة، أصبح المنفى مرحلة من مراحل التاريخ المقدس.
وبدلًا من الثورة، أصبحت المحافظة على الهوية الدينية هي وسيلة البقاء.
ولهذا قبلت أغلبية اليهود هذا التفسير قرونًا طويلة، لا لأنهم كانوا عاجزين عن التفكير في غيره، بل لأنه انسجم مع واقعهم التاريخي، وقدم لهم معنى لمعاناتهم، وأعطاهم أملًا بأن النهاية ليست في يد الإمبراطور، ولا في يد الجيوش، وإنما في يد الله وحده.
وهنا تتجلى واحدة من أهم الظواهر في تاريخ الأديان؛ فالعقائد لا تنتصر دائمًا لأنها الأقوى دليلًا، وإنما لأنها الأكثر قدرة على تفسير الواقع الذي يعيشه الناس.
لقد كانت القسمات الثلاث أكثر من تفسير لنص شعري؛ لقد أصبحت تفسيرًا للتاريخ نفسه.
لكن التاريخ لا يبقى ثابتًا.
فعندما ظهرت الحركة الصهيونية في القرن التاسع عشر، لم تواجه نصًا من أسفار موسى، بل واجهت تفسيرًا عاش في الوعي اليهودي ما يقرب من ألف وخمسمائة عام. ومن هنا بدأ الصدام الحقيقي: هل يجوز للإنسان أن يغيّر ما اعتبرته الأجيال إرادةً إلهية؟ أم أن التاريخ نفسه قد غيّر شروط فهم النص؟
ذلك هو السؤال الذي سيقودنا إلى المقال القادم:
«المنفى باعتباره إرادة إلهية».
























