الإثنين، 21 سبتمبر 2026 01:12 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: من «القسمات الثلاث» إلى «NAZA»

بوابة المصريين

عندما يتحول الإنسان إلى رقم في منظومة القتل

هناك أفلام تُشاهَد ثم تُنسى، وهناك أفلام لا تنتهي بانتهاء شريطها السينمائي، لأنها تترك في العقل سؤالًا أكبر من الفيلم نفسه.

وفيلم NAZA، الذي عُرض في الدورة الثالثة والثمانين لمهرجان فينيسيا السينمائي، ينتمي إلى النوع الثاني.

الفيلم، الذي أخرجه الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل زور، وهما من مخرجي الفيلم الوثائقي الحائز على الأوسكار No Other Land، لا يحاول أن يقدم لنا صورة جديدة للدمار في غزة بقدر ما يحاول أن يأخذنا إلى مكان أكثر خطورة: داخل منظومة اتخاذ القرار نفسها.

الفيلم مدته 80 دقيقة، وهو الوثائقي الوحيد المشارك في المسابقة الرسمية على جائزة الأسد الذهبي، وقد حصل عرضه الأول في فينيسيا على تصفيق استمر نحو 25 دقيقة.

لكن أهمية الفيلم بالنسبة لنا لا تكمن في الجائزة أو التصفيق.

الأهمية الحقيقية في السؤال الذي يطرحه:

ماذا يحدث عندما لا يعود قتل الإنسان فعلًا فرديًا، وإنما يصبح نظامًا؟

وهنا تحديدًا يلتقي NAZA مع مشروعنا في سلسلة «النص الغائب الحاضر».

فقد بدأنا في هذه السلسلة من البحث عن النصوص والأفكار التي تختبئ خلف المشروع الصهيوني، ثم انتقلنا إلى علاقة التفسير بالعقيدة، وإلى فكرة المنفى، وإلى الصراع داخل الفكر اليهودي نفسه حول الدولة والصهيونية.

أما NAZA فيأخذنا خطوة أخرى:

من الفكرة إلى المؤسسة، ومن المؤسسة إلى التكنولوجيا، ومن التكنولوجيا إلى الإنسان الذي يتحول في النهاية إلى رقم.

أولًا: ماذا يعني NAZA؟

العنوان نفسه يحمل دلالة شديدة الخطورة.

وفق ما يقدمه الفيلم وشهادات المشاركين فيه، فإن NAZA هو اختصار عسكري يُستخدم للإشارة إلى عدد المدنيين الذين يُتوقع أن يقتلوا في ضربة عسكرية معينة.

أي أننا لا نتحدث فقط عن «مدنيين قد يسقطون».

نحن أمام رقم متوقع سلفًا.

وهنا تكمن الصدمة الأخلاقية.

فالإنسان الذي له اسم ووجه وأم وأب وأطفال وأحلام، يتحول داخل لغة عسكرية إلى خانة في تقرير.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية:

عندما يتغير اسم الإنسان، يصبح قتله أسهل.

فاللغة ليست مجرد وسيلة لوصف الواقع؛ اللغة أحيانًا تصنع الطريقة التي ننظر بها إلى الواقع.

وهذه واحدة من أهم القضايا التي تناولناها في «النص الغائب الحاضر»: خطورة اللغة عندما تتحول إلى أداة لإعادة تعريف الإنسان والحق والظلم.

---

سبع معلومات شديدة الخطورة يكشفها الفيلم

1 ــ القتل لا يظهر في الفيلم كقرار فردي بل كمنظومة

ربما تكون هذه أهم نقطة في الفيلم كله.

المخرجون لا يبحثون عن «الجندي الشرير» الذي خرج عن الأوامر.

بل يحاولون الإجابة عن سؤال مختلف:

كيف يمكن لمنظومة كاملة أن تجعل قتل المدنيين جزءًا من الإجراءات الطبيعية للعمل؟

الفيلم يعتمد على شهادات 24 شخصًا من العسكريين والعاملين في الاستخبارات الإسرائيلية، جرى إخفاء هوياتهم، ويتحدث بعضهم عن أدوارهم في منظومة المراقبة والاستهداف.

وهنا تصبح القضية أكبر من محاكمة شخص.

إنها قضية نظام.

وهذا مهم جدًا في فهم الصراع؛ لأن أخطر أشكال العنف ليس ذلك الذي يرتكبه فرد غاضب، وإنما ذلك الذي تستطيع مؤسسة كاملة أن تمارسه وهي تشعر أنها تقوم بعملها بصورة «طبيعية».

---

2 ــ الذكاء الاصطناعي يدخل في قلب عملية تحديد الأهداف

الفيلم يقدم شهادات حول استخدام أنظمة آلية وذكاء اصطناعي وتحليل أنماط الاتصالات للمساعدة في تحديد أهداف للقصف.

ووفق الشهادات التي يعرضها الفيلم، تستطيع الأنظمة تحليل كميات ضخمة من البيانات والاتصالات، ثم ترشيح مبانٍ أو مناطق باعتبارها أهدافًا محتملة.

وهنا تظهر واحدة من أخطر مفارقات عصرنا:

كلما زادت التكنولوجيا دقة، لا يعني ذلك بالضرورة أن الحرب أصبحت أكثر إنسانية.

فالآلة تستطيع أن تكون دقيقة في الوصول إلى الهدف، لكنها لا تستطيع أن تمنح الإنسان قيمة أخلاقية.

وإذا كانت المعادلة التي بُني عليها النظام تعتبر مجموعة من المدنيين «رقمًا مقبولًا»، فإن التكنولوجيا لن تمنع الجريمة؛ بل قد تجعلها أسرع وأوسع وأكثر قابلية للتكرار.

---

3 ــ مراقبة الهواتف والاتصالات يمكن أن تتحول إلى أداة قتل

بحسب شهادات الفيلم، استُخدمت عمليات اختراق ومراقبة للهواتف لتحديد مواقع أشخاص يُشتبه في ارتباطهم بحماس، كما يتحدث الفيلم عن الاستماع إلى اتصالاتهم.

وهنا نصل إلى مرحلة أخطر:

المعلومة التي كانت في الماضي وسيلة لمعرفة مكان شخص، أصبحت جزءًا من سلسلة تؤدي إلى استهداف المكان.

وهذا يعني أن البيانات لم تعد مجرد معلومات؛ يمكن أن تتحول إلى سلاح.

والأخطر أن الشخص الذي يجلس أمام شاشة في غرفة بعيدة عن غزة قد لا يرى الإنسان الذي ستصل إليه القنبلة.

إنه يرى نقطة على الخريطة.

وهذه المسافة النفسية بين الإنسان والضحية واحدة من أخطر الأفكار التي يطرحها الفيلم.

---

4 ــ «المدني المتوقع موته» يدخل في حسابات الضربة

هنا نصل إلى جوهر اسم الفيلم.

الفيلم يتحدث عن تقديرات لأعداد المدنيين الذين يمكن أن يقتلوا في بعض العمليات، ويورد شهادات عن أرقام مرتفعة للغاية. إحدى الشهادات التي نقلتها صحيفة الغارديان تتحدث عن إمكانية الموافقة على قتل مئات المدنيين في عملية تستهدف شخصًا واحدًا.

وهنا يجب أن نتوقف.

لأن السؤال ليس فقط:

هل قُتل المدنيون؟

بل:

هل كان وجودهم معروفًا قبل تنفيذ الضربة؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإننا ننتقل من الحديث عن «خطأ» إلى سؤال أكثر تعقيدًا حول طبيعة القرار نفسه.

وهنا يظهر الفرق بين الحرب بوصفها مواجهة عسكرية، والحرب عندما تصبح حياة المدنيين جزءًا من معادلة حسابية مسبقة.

---

5 ــ استهداف المنازل ليلًا رغم معرفة وجود العائلات

من أكثر الشهادات إثارة للصدمة تلك التي تتحدث عن استهداف أشخاص في منازلهم، وفي بعض الحالات مع معرفة أن أسرهم موجودة معهم.

وتقول إحدى الشهادات التي نقلتها الغارديان إن العاملين في الاستخبارات يمكن أن يعرفوا أن المنزل يحتوي على أطفال، ومع ذلك يستمر أمر الضربة.

هنا يصبح السؤال الأخلاقي قاسيًا للغاية:

إذا كنت تعرف أن الطفل موجود في المنزل، فهل يبقى موته مجرد «ضرر جانبي»؟

إن تغيير المصطلح لا يغير الحقيقة.

أن تسميه «خسارة جانبية» لا يعني أن الطفل أصبح أقل إنسانية.

وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى قضية النص واللغة التي تقوم عليها سلسلتنا.

فالإنسان يمكن أن يُقتل أولًا بالكلمة، قبل أن يُقتل بالقنبلة.

---

6 ــ الفيلم يتحدث عن تدمير أحياء ومنازل، وحرق منازل مدنية، وقتل عند مواقع توزيع الغذاء

لا يكتفي الفيلم بشهادات عن الاستهداف الجوي.

بل يتضمن روايات عن تدمير أحياء، وحرق منازل مدنية، وعن إطلاق النار على مدنيين في موقع لتوزيع الغذاء.

وهنا تتسع الصورة.

لم يعد السؤال متعلقًا بشخص واحد أو هدف واحد.

إننا أمام شهادات تتحدث عن ممارسات متكررة داخل منظومة عسكرية واسعة.

ومن هنا تأتي أهمية الفيلم: فهو لا يقدم هذه الوقائع باعتبارها حوادث منعزلة، وإنما يحاول أن يبحث عن الرابط بينها.

والرابط الذي يريد المخرجان الكشف عنه هو:

النظام الذي يجعل الممارسة ممكنة ومقبولة وقابلة للتكرار.

---

7 ــ أخطر ما في الفيلم: «التروس الصغيرة»

ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر فلسفة في NAZA.

بعض الذين ظهروا في الفيلم يصفون أنفسهم بأنهم مجرد «ترس صغير» داخل آلة ضخمة.

واحد منهم يقول إن دوره «تقني».

وهنا تظهر مشكلة قديمة جدًا في التاريخ الإنساني:

هل يمكن للإنسان أن يتخلى عن مسؤوليته الأخلاقية لأنه كان مجرد موظف ينفذ جزءًا صغيرًا من المهمة؟

التاريخ مليء بهذه الحجة.

أنا لم أصدر القرار.

أنا فقط نفذته.

أنا كنت أعمل في قسم المعلومات.

أنا كنت أحلل البيانات.

أنا كنت أقود الطائرة.

أنا ضغطت الزر.

أنا كنت أنفذ التعليمات.

لكن السؤال الأخلاقي يبقى:

من المسؤول عندما يصبح الجميع مجرد تروس؟

الفيلم لا يقدم إجابة سهلة.

لكنه يضع السؤال أمامنا.

---

وهنا نعود إلى «النص الغائب الحاضر»

لماذا أرى أن NAZA يجب أن يُقرأ إلى جانب مقالاتنا عن القسمات الثلاث؟

لأننا منذ بداية السلسلة لم نكن نحاول فقط أن نقول للناس:

«انظروا ماذا يحدث».

كنا نحاول أن نقول:

ابحثوا عما وراء ما يحدث.

هناك دائمًا نص أو فكرة أو تفسير أو عقيدة أو خطاب سياسي يمكن أن يساعدنا على فهم السلوك الذي يظهر أمامنا.

والآن يأتي NAZA ليضيف طبقة جديدة إلى الصورة:

الفكرة عندما تدخل المؤسسة، والمؤسسة عندما تستخدم التكنولوجيا، والتكنولوجيا عندما تعيد تعريف الإنسان باعتباره رقمًا.

وهنا يجب أن ننتبه إلى شيء شديد الأهمية:

ليس المطلوب أن نخلط بين اليهودية والصهيونية، ولا بين اليهود كأفراد وبين سياسات حكومة إسرائيل أو الجيش الإسرائيلي.

بل العكس تمامًا.

إن فهم الصراع الداخلي داخل المجتمع الإسرائيلي والفكر اليهودي نفسه يجعل الصورة أكثر وضوحًا.

فالفيلم نفسه صنعه إسرائيليون، وشهاداته يقدمها إسرائيليون، والاعتراضات على السياسات الإسرائيلية تأتي أيضًا من داخل المجتمع الإسرائيلي.

وهذا مهم؛ لأنه يثبت أن الصراع ليس بين «دين» و«دين»، ولا بين «شعب» وشعب.

إنه صراع حول الإنسان والسلطة والأرض والحق والقوة.

---

من «القسمات الثلاث» إلى NAZA

في المقالات السابقة بحثنا في فكرة القسمات الثلاث باعتبارها نموذجًا تاريخيًا لفهم كيف يمكن لنص ديني وتفسيره أن يؤثرا في تصور سياسي وتاريخي.

لكن يجب أن نذهب أبعد من ذلك.

فالأفكار لا تعيش في الكتب وحدها.

عندما تدخل السياسة، تصبح مؤسسات.

وعندما تدخل المؤسسات، تصبح قوانين.

وعندما تدخل التكنولوجيا، تصبح خوارزميات.

وعندما تدخل الخوارزميات إلى الحرب، يمكن أن يتحول الإنسان إلى رقم مستهدف.

وهنا تظهر خطورة «النص الغائب».

فالنص الغائب ليس بالضرورة جملة مكتوبة على الورق.

قد يكون فكرة مختبئة داخل نظام.

وقد يكون تعريفًا للعدو.

وقد يكون تصورًا لمن يستحق الحياة ومن يمكن التضحية به.

وقد يكون لغة بيروقراطية تبدو محايدة، لكنها تخفي وراءها إنسانًا يموت.

---

من «الإنسان» إلى «الهدف»

أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يفقد القدرة على رؤية الإنسان باعتباره إنسانًا.

عندما يصبح الفلسطيني في الخطاب السياسي «إرهابيًا» قبل أن تثبت عليه تهمة.

وعندما يصبح المدني «ضررًا جانبيًا».

وعندما يصبح الطفل «رقمًا ضمن الخسائر المتوقعة».

وعندما يصبح المنزل «هدفًا».

فإننا نكون قد قطعنا المسافة الأخطر:

المسافة بين الإنسان وصورته الإنسانية.

وبعدها تصبح القنبلة أسهل.

---

ولماذا يجب أن يهمنا هذا نحن العرب؟

لأن المعركة اليوم ليست معركة سلاح فقط.

إنها أيضًا معركة وعي.

والمجتمع الذي لا يفهم كيف تُصنع الصورة الذهنية للعدو، وكيف تتحول الكلمات إلى سياسات، وكيف تتحول السياسات إلى مؤسسات، وكيف تتحول المؤسسات إلى أدوات تكنولوجية، قد يجد نفسه يومًا ما أمام واقع صنعه الآخرون بينما كان هو يكتفي بمشاهدة النتائج.

لهذا فإن «النص الغائب الحاضر» ليس سلسلة للبحث في التاريخ من أجل التاريخ.

إنها محاولة لفهم كيف تُصنع الأفكار التي تصنع المستقبل.

وNAZA يقدم درسًا بالغ القسوة:

لا تنتظر حتى ترى القنبلة وهي تسقط.

راقب الفكرة التي سبقتها.

راقب اللغة التي سبقتها.

راقب الصورة التي سبقتها.

راقب الخوارزمية التي سبقتها.

راقب القرار الذي سبقه.

راقب الإنسان الذي تحول قبل كل ذلك إلى «هدف».

---

كلمة أخيرة

لا ينبغي لنا أن نشاهد NAZA باعتباره مجرد فيلم عن غزة.

إنه فيلم عن الإنسان عندما يقع في مواجهة منظومة قوة بلا رادع أخلاقي كافٍ.

وهو أيضًا فيلم عن التكنولوجيا عندما تنفصل عن الضمير.

وعن اللغة عندما تتحول إلى وسيلة لتجميل القتل.

وعن الموظف عندما يختبئ خلف عبارة «أنا مجرد ترس».

وعن المجتمع عندما يصبح الموت الذي يحدث بعيدًا عنه أمرًا عاديًا.

ولهذا فإن السؤال الذي يتركه الفيلم وراءه ليس:

من ضغط على الزر؟

بل السؤال الأصعب:

كيف استطاع هذا العدد الكبير من البشر أن يصل إلى اللحظة التي أصبح فيها الضغط على الزر أمرًا عاديًا؟

وهذا بالضبط هو السؤال الذي يجب أن نبحث عنه في «النص الغائب الحاضر».

لأن أخطر ما في الصراعات الكبرى ليس ما نراه أمام أعيننا.

أخطر ما فيها هو ما لا نراه.

النص الغائب.

الفكرة الغائبة.

الخطاب الغائب.

والمنظومة التي تعمل في الظلام...

حتى تظهر أمامنا يومًا في صورة قنبلة تسقط على بيت.

مقالات الرأي

آخر الأخبار