هشام بيومي يكتب: من «نازا» إلى منتخب أيرلندا... حين يخرج الضمير الإنساني عن صمته


هناك لحظات في التاريخ لا تُقاس أهميتها بعدد الجيوش التي تحركت، ولا بحجم القرارات التي صدرت، وإنما بقدرتها على كسر الصمت، وإعادة طرح الأسئلة التي حاولت السياسة دفنها تحت ركام المصالح.
من شاشة السينما في مهرجان البندقية إلى المستطيل الأخضر الذي شهد مواجهة المنتخبين الأيرلندي والإسرائيلي، تطل علينا صورتان مختلفتان في الشكل، متقاربتان في المضمون: سينمائيون إسرائيليون يفتحون ملفات قتل المدنيين الفلسطينيين في غزة، ولاعبو كرة قدم أيرلنديون يخفضون رؤوسهم ويرتدون الشارات السوداء ويرفضون المصافحة التقليدية.
في الحالتين، لم تكن القضية مجرد فيلم سينمائي أو مباراة لكرة القدم، بل سؤالًا أخلاقيًا يتجاوز حدود الفن والرياضة: ما مسؤولية الإنسان حين يصبح شاهدًا على مأساة لا يستطيع تجاهلها؟
أولًا: «نازا»... حين تأتي الشهادة من داخل إسرائيل
في مهرجان البندقية السينمائي لعام 2026، عُرض فيلم «نازا» للمخرجين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل سور، وهو عمل وثائقي يستقصي الأنظمة والآليات الكامنة وراء قتل المدنيين الفلسطينيين في غزة.
الفيلم، الذي تبلغ مدته ثمانين دقيقة، صُوّر ليلًا فوق أسطح تل أبيب، واعتمد على تحقيقات صحفية تناولت العمليات العسكرية الإسرائيلية. وقد أوضح مخرجاه أن عملهما انطلق من شعورهما بالمسؤولية عن مساءلة ما ارتكبته دولتهما بحق المدنيين الفلسطينيين.
وتكمن أهمية هذا العمل في أنه يطرح أسئلة يصعب تجاهلها: كيف يمكن لمجتمع أن يقبل تجريد مجتمع آخر من إنسانيته؟ وكيف تتحول منظومات عسكرية وإدارية وتقنية إلى أدوات تتيح القتل واسع النطاق؟
إن إحدى أهم الدلالات الأخلاقية للفيلم هي رفض الخلط بين الدولة وشعبها، وبين نقد السياسات الحكومية ومعاداة الهوية الدينية أو القومية.
فحين يحقق صحفيون إسرائيليون في ممارسات جيشهم، فإنهم يقدمون مثالًا على أن المسؤولية الأخلاقية لا تتوقف عند حدود الانتماء الوطني.
والأهم أن الفيلم يضعنا أمام حقيقة فلسفية عميقة: الصمت ليس دائمًا غيابًا للكلمات، فقد يكون غيابًا متعمدًا للأسئلة.
ثانيًا: أيرلندا... في السابع والعشرين من سبتمبر 2026، شهدت مدينة دبرتسن المجرية مباراة المنتخبين الأيرلندي والإسرائيلي في دوري الأمم الأوروبية.
وقبل أن تبدأ المباراة، كانت الأنظار تتجه إلى ما سيفعله اللاعبون الأيرلنديون بعد الجدل الواسع الذي أثارته مشاركتهم في مواجهة المنتخب الإسرائيلي.
ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تكريمًا لجميع ضحايا الحرب في غزة، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف النشيد الإسرائيلي، ولم يشاركوا في المصافحة التقليدية أو تبادل الأعلام التذكارية. أما الحارس جافين بازونو، فقد اختار الانسحاب من المباراتين لأسباب أخلاقية أعلنها بنفسه.
وانتهت المباراة بفوز أيرلندا بثلاثة أهداف دون مقابل.
لكن ما جعل هذه المباراة مختلفة لم يكن عدد الأهداف، بل النقاش الذي سبقها حول حدود العلاقة بين الالتزام الرياضي والمسؤولية الأخلاقية.
فقد اختار أغلب اللاعبين المشاركة مع التعبير عن احتجاجهم، بينما اختار الحارس عدم المشاركة من الأساس. وهكذا ظهرت داخل المنتخب نفسه طريقتان مختلفتان للتعبير عن الاعتراض على الحرب.
لقد تحولت مراسم رياضية اعتاد الملايين مشاهدتها دون اهتمام إلى حدث سياسي وأخلاقي تناقلته الصحافة الدولية.
ولعل السؤال الذي تثيره تلك المشاهد ليس ما إذا كان الرياضي مطالبًا بممارسة السياسة، بل ما إذا كان من الممكن أصلًا فصل الرياضة عن العالم الذي يعيش فيه الرياضيون، عندما تصل المآسي الإنسانية إلى هذا الحجم.
بين «نازا» والمنتخب الأيرلندي مسافة جغرافية كبيرة، لكن هناك خيطًا أخلاقيًا يجمع الحدثين.
في الحالة الأولى، اختار صناع الفيلم الوثائقي وسيلة التحقيق والكشف والمساءلة. وفي الحالة الثانية، اختار الرياضيون لغة الرموز؛ شارات سوداء، ورؤوسًا مطأطأة، ومصافحة لم تحدث.
لا يعني ذلك أن جميع المشاركين يحملون الموقف السياسي نفسه، ولا أن العالم أصبح متفقًا على كيفية التعامل مع إسرائيل. لكنه يكشف عن اتساع المساحات التي أصبحت الحرب في غزة تُناقش وتُنتقد من خلالها.
فالسينما لم تعد مجرد نافذة للخيال، والملاعب ليست معزولة عن الأزمات الدولية. والاحتجاج لم يعد حكرًا على المظاهرات أو البيانات السياسية؛ فقد يظهر في فيلم وثائقي أو موقف رياضي أو تحقيق صحفي.
واللافت أن الاعتراضات على سياسات الحكومة الإسرائيلية لم تعد تأتي من الخارج وحده، بل تتردد أيضًا داخل المجتمع الإسرائيلي، بما فيه أصوات صحفية وفنية تختلف في رؤيتها للحرب ومسؤولياتها.
ربما يكون أخطر ما تفعله الحروب الطويلة أنها تدفع البشر إلى الاعتياد على مشاهد الموت.
تتحول الأرقام إلى عناوين، والعناوين إلى أخبار عابرة، والأخبار إلى مادة جديدة في أرشيف المآسي الإنسانية.
وهنا تظهر أهمية الصحافة والفن والرياضة بوصفها مساحات يمكن أن تعيد الانتباه إلى الضحايا الذين تتوارى قصصهم خلف الإحصاءات.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال الضمير العالمي في موقف منتخب أو فيلم أو مظاهرة، مهما بلغت رمزية الحدث. فالمواقف تجاه الحرب الإسرائيلية في غزة لا تزال مختلفة بين الحكومات والمجتمعات، كما تختلف الآراء بشأن الوسائل القانونية والدبلوماسية والاقتصادية المناسبة للتعامل معها.
إن القضية الأعمق ليست امتلاك طرف بعينه حق الحديث باسم الإنسانية، وإنما ضمان ألا تُحجب معاناة المدنيين خلف الانتماءات السياسية والدينية والقومية.
تُظهر هذه الأحداث اتساع الاحتجاجات الثقافية والرياضية على الحرب، لكنها تثير أيضًا سؤالًا سياسيًا أكثر تعقيدًا: إلى أي مدى تتحول المواقف الرمزية إلى تغييرات فعلية في العلاقات الدولية؟
فثمة فارق كبير بين الاحتجاج الشعبي، والاعتراض الثقافي، والقرارات التي تتخذها المؤسسات الرياضية، والسياسات الرسمية للدول.
وقد يختلف تأثير كل منها؛ فالفيلم قادر على فتح نقاش عام، والاحتجاج الرياضي قادر على جذب انتباه الملايين، أما الإجراءات الدبلوماسية والقانونية فتخضع لآليات ومصالح والتزامات مختلفة.
ومن ثم، فإن الحديث عن عزلة إسرائيل يحتاج إلى النظر في قرارات الدول والمؤسسات الدولية، وليس في الاحتجاجات وحدها.
ومع ذلك، فإن استمرار ظهور الاعتراضات في مجالات متعددة يشير إلى أن تداعيات الحرب تجاوزت المؤسسات السياسية التقليدية، وأصبحت حاضرة في الحياة الثقافية والرياضية والإعلامية.
من البندقية إلى دبرتسن، يطرح الفيلم الوثائقي وموقف المنتخب الأيرلندي سؤالًا واحدًا بصيغتين مختلفتين: ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل عندما يجد نفسه أمام معاناة الآخرين؟
لا يملك المخرج سلطة إيقاف الحرب، ولا يستطيع لاعب كرة القدم إصدار قرار دولي، لكن كليهما يملك وسيلة للتعبير عن موقفه، وإتاحة مساحة للنقاش والمساءلة.
إن قيمة هذه المواقف لا تكمن في قدرتها وحدها على تغيير مسار الصراع، وإنما في تذكيرنا بأن الأحداث الكبرى لا تُناقش داخل الغرف السياسية المغلقة فحسب، بل تمتد إلى ضمير المجتمعات وثقافتها وحياتها اليومية.
ولعل الدرس الذي تقدمه هذه الوقائع يتجاوز القضية الفلسطينية نفسها: أن الدفاع عن حياة المدنيين، ورفض تجريد البشر من إنسانيتهم، ومساءلة أصحاب السلطة، مبادئ ينبغي ألا تتغير بتغير هوية الضحية أو الجاني.
فقد تنتهي المباراة بصافرة الحكم، وتُطفأ شاشة السينما بعد عرض الفيلم، لكن الأسئلة التي يثيرها كلاهما تظل مفتوحة أمام العالم.
والتاريخ لا يحتفظ فقط بأسماء من اتخذوا القرارات، بل يحتفظ أيضًا بشهادات الذين كشفوا الحقيقة، وبمواقف الذين رفضوا أن تمر المأساة أمام أعينهم دون سؤال.






















