هشام بيومي يكتب: حين يستيقظ الشباب… تستيقظ الأمم


من الحراك الطلابي في فرنسا إلى ضرورة مشاركة الشباب في صناعة المستقبل
ليست كل الاحتجاجات أزمة ينبغي احتواؤها، فبعضها جرس إنذار يكشف عن أسئلة مؤجلة ومشكلات لم تجد طريقها إلى الحل. وما يحدث في فرنسا من حراك طلابي، وما رافقه من دعوات إلى عقد مؤتمر وطني شامل حول قضايا الشباب، يفتح الباب أمام قضية تتجاوز الحدود الفرنسية، وهي أهمية وعي الشباب بالقضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وضرورة أن يكونوا شركاء في صياغة الحلول، لا مجرد متلقين لقرارات تُتخذ نيابة عنهم.
في فرنسا، حيث تُعدّ الجامعة إحدى ركائز الجمهورية، لم يعد الحراك الطلابي مجرد احتجاج على أوضاع التعليم، بل تحوّل إلى مناسبة لطرح أسئلة أعمق حول مستقبل الشباب ومكانتهم في صناعة القرار. ومع إعلان جمعية «فرنسا الجامعات» (France Universités)، التي تضم رؤساء الجامعات الفرنسية، دعمها لحراك طلاب الثانويات ودعوتها إلى عقد مؤتمر وطني شامل حول قضايا الشباب، يتجدد النقاش حول العلاقة بين الأجيال الجديدة ومؤسسات الدولة، وحدود المشاركة في رسم السياسات العامة.
إن ما يحدث في فرنسا يطرح قضية تتجاوز الجغرافيا الفرنسية؛ فحين يطالب الشباب بتعليم أفضل وفرص أكثر عدالة ومستقبل أكثر استقرارًا، فإنهم لا يدافعون عن مصالحهم الآنية فحسب، بل يفتحون نقاشًا حول أولويات المجتمع وكيفية إدارة موارده وتوزيع فرصه. وهنا تبرز أهمية الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بوصفه مدخلًا لتحويل المطالب إلى رؤى، والاحتجاج إلى مشاركة، والغضب إلى حلول عملية.
فالسؤال لم يعد كيف تستجيب المؤسسات لصوت الشباب فحسب، بل كيف يصبح الشباب أنفسهم طرفًا واعيًا في فهم الأزمات وصياغة الحلول وصناعة المستقبل.
إن الرسالة الأهم في هذا المشهد أن الشباب ليسوا مجرد قادة للمستقبل، بل مواطنون يعيشون الحاضر ويتأثرون بقراراته. فالبطالة بالنسبة إلى الشاب ليست رقمًا في تقرير اقتصادي، والتراجع في جودة التعليم ليس مجرد مشكلة إدارية، وارتفاع تكاليف المعيشة ليس قضية بعيدة عن السياسة؛ بل جميعها عوامل تحدد فرصه في العمل والاستقرار وبناء حياته.
من هنا، يصبح الوعي السياسي ضرورة، لا ترفًا فكريًا أو انشغالًا بالصراعات الحزبية. فهو قدرة المواطن على فهم كيفية إدارة شؤون الدولة، والعلاقة بين السياسات العامة وحياته اليومية، وكيفية التأثير في القرارات التي تمس مصالحه ومستقبله.
إن الاحتجاج وسيلة للتعبير عن المطالب، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية الطريق. فالحراك الأكثر تأثيرًا هو الذي يستطيع تحويل الغضب إلى أفكار، والمطالب إلى برامج، والاعتراض إلى بدائل قابلة للتنفيذ.
إذا طالب الشباب بتطوير التعليم، فعليهم الانخراط في نقاش جاد حول المناهج، وتأهيل المعلمين، وتمويل المؤسسات التعليمية، وربط الدراسة باحتياجات سوق العمل. وإذا كانت البطالة مصدر قلقهم، فإن فهم سياسات الاستثمار والإنتاج والتدريب ودعم المشروعات الصغيرة يصبح جزءًا من قدرتهم على اقتراح الحلول.
ولا يعني ذلك أن على كل شاب أن يصبح خبيرًا في الاقتصاد أو السياسة، بل أن يمتلك المعرفة التي تساعده على تقييم القرارات، والتحقق من المعلومات، والتمييز بين الوعود والشعارات من جهة، والبرامج الواقعية من جهة أخرى.
فالفرق كبير بين جيل يكتفي بالشكوى من أزماته، وجيل يفهم أسبابها ويشارك في تغييرها.
إن الخطر لا يكمن في اختلاف الشباب مع السياسات القائمة، بل في أن يفقدوا الثقة في جدوى المشاركة، ويقتنعوا بأن القرارات ستُتخذ بمعزل عنهم مهما فعلوا.
هذا الشعور قد يوسّع الفجوة بين المجتمع ومؤسساته، ويترك المجال للمعلومات المضللة والشعارات التي تستثمر الإحباط دون تقديم حلول حقيقية.
ولذلك، فإن تعزيز الوعي لا يتحقق بمطالبة الشباب بالاهتمام بالسياسة فحسب، بل بتوفير بيئة تشجع التفكير النقدي والحوار المسؤول. فالمدرسة والجامعة مطالبتان ببناء عقل قادر على السؤال والتحليل، والإعلام مطالب بتقديم المعلومات الموثوقة، والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني مطالبة بمنح الشباب فرصًا حقيقية للمشاركة وصنع القرار.
فالمشاركة لا تُفرض بالأوامر، والثقة لا تُبنى بالخطب، وإنما تنشآن حين يشعر الشباب بأن أصواتهم مسموعة وأن مشاركتهم يمكن أن تُحدث فرقًا.
إن الدعوة إلى مؤتمر وطني شامل حول قضايا الشباب تطرح فكرة مهمة: عندما تتراكم المشكلات لدى جيل كامل، فإن التعامل معها يحتاج إلى حوار منظم يتجاوز الحلول المؤقتة وردود الفعل.
لكن قيمة أي مؤتمر لا تُقاس بعدد جلساته أو المشاركين فيه، بل بقدرته على تحويل النقاش إلى سياسات واضحة، تتضمن أولويات محددة، وآليات للتنفيذ، ومواعيد للمتابعة والمساءلة.
وينبغي أن يشارك في هذا الحوار الطلاب والخريجون والشباب العاملون والباحثون عن عمل ورواد الأعمال، إلى جانب المسؤولين والخبراء، وأن يتناول قضايا التعليم والتوظيف والسكن وتكاليف المعيشة والعدالة الاجتماعية والتحول الرقمي والمشاركة السياسية.
كما يجب أن تكون للشباب فرصة حقيقية في تحديد الأولويات وصياغة المقترحات، لا أن يقتصر دورهم على الاستماع إلى ما يقرره الآخرون.
ومع اختلاف الظروف بين فرنسا وغيرها من الدول، فإن الدرس الذي يمكن الاستفادة منه واضح: لا يمكن معالجة قضايا الشباب بصورة مستدامة دون الاستماع إليهم وإشراكهم في الحل.
لا ينفصل الوعي الاقتصادي عن الوعي السياسي؛ فكثير من القرارات العامة يتعلق بكيفية توزيع الموارد، وتحديد أولويات الإنفاق، وتحقيق التوازن بين احتياجات المجتمع والإمكانات المتاحة.
ومن حق الشباب أن يفهموا تأثير التضخم والديون العامة والاستثمار والضرائب في حياتهم، وأن يناقشوا العلاقة بين التعليم والإنتاج وفرص العمل. فالمعرفة الاقتصادية تساعدهم على تقييم السياسات بموضوعية، وتجنب الانسياق وراء حلول تبدو سهلة بينما تتجاهل تكاليفها الحقيقية.
وفي المقابل، ينبغي ألا يُنظر إلى الشباب باعتبارهم قوة عمل تنتظرها المؤسسات فحسب، بل باعتبارهم أصحاب أفكار وقدرات ابتكارية يمكن أن تسهم في تطوير الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والخدمات.
ويتطلب ذلك توسيع فرص التدريب، ودعم المشروعات الصغيرة، وتشجيع البحث العلمي وريادة الأعمال، وربط الجامعات باحتياجات المجتمع. فالاستثمار في الشباب ليس مجرد إنفاق على التعليم، بل استثمار في قدرة الدولة على الإنتاج والتجدد ومواجهة الأزمات.
إن بناء الوعي لا يعني دفع الشباب إلى المعارضة المستمرة، كما لا يعني مطالبتهم بالموافقة على كل قرار. المطلوب هو عقل مستقل يستطيع تقييم السياسات على أساس المعلومات والنتائج، ويؤيد ما يراه صحيحًا وينتقد ما يراه خاطئًا، مع احترام القانون وحقوق الآخرين.
فالانتماء الحقيقي لا يُقاس بكثرة الشعارات، وإنما بالقدرة على تحمل المسؤولية والإسهام في حل المشكلات وحماية المصلحة العامة.
ومن هنا، فإن تمكين الشباب يجب أن يتجاوز مشاركتهم الشكلية في المؤتمرات إلى منحهم فرصًا فعلية للمساهمة في صياغة البرامج والسياسات، والمشاركة في الأحزاب والنقابات والمبادرات المجتمعية، وممارسة الرقابة والمساءلة بالوسائل المشروعة.
ولا بد أن تتاح هذه الفرص للشباب من مختلف البيئات والطبقات والمناطق، حتى لا يصبح التمكين امتيازًا لفئة محدودة دون غيرها.
قد تبدو مشاركة فرد واحد محدودة الأثر، لكن تراكم المعرفة والمبادرات والعمل الجماعي يمكن أن يصنع تغييرًا حقيقيًا. فطالب يقترح تطوير مدرسته، وشباب يؤسسون مشروعًا يوفر فرص عمل، ومبادرة تنشر الوعي الاقتصادي، ومواطنون يناقشون السياسات العامة على أساس المعلومات؛ جميعهم يسهمون في بناء مجتمع أكثر قدرة على فهم مشكلاته ومعالجتها.
إن مسؤولية بناء هذا الوعي مشتركة بين الشباب والمؤسسات. فعلى الشباب أن يتعلموا ويسألوا ويتحققوا من المعلومات ويشاركوا في العمل العام، وعلى الحكومات والأحزاب والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني أن تفتح أمامهم أبواب الحوار، وتتعامل بجدية مع مقترحاتهم، وتتيح لهم فرصًا حقيقية لتحمل المسؤولية.
فلا يصح أن نطالب الشباب بالاستعداد للمستقبل، ثم نستبعدهم من المشاركة في رسمه، ولا أن نحمّلهم مسؤولية الأزمات دون أن نمنحهم أدوات فهمها والتأثير في معالجتها.
إن ما يحدث في فرنسا يذكّرنا بأن الاستماع إلى الشباب ليس تنازلًا من الدولة، بل استثمار في استقرار المجتمع وقدرته على التجدد. فالأوطان لا تتقدم بإسكات الأسئلة، وإنما بإيجاد إجابات عنها، ولا تواجه أزماتها بتأجيل مشاركة الأجيال الجديدة، بل بإعدادها وإشراكها في الحل.
إننا لا نحتاج إلى شباب يحفظون شعارات أوطانهم فحسب، بل إلى شباب يفهمون واقعها، ويدركون حقوقهم ومسؤولياتهم، ويمتلكون المعرفة والشجاعة للمشاركة في صناعة مستقبلها. فالشباب ليسوا عبئًا على الحاضر ولا وعدًا مؤجلًا للمستقبل؛ إنهم قوة حاضرة، وكلما ازداد وعيهم واتسعت مشاركتهم، ازدادت قدرة المجتمع على مواجهة تحدياته وبناء غد أفضل.






















