الجمعة، 1 مايو 2026 04:22 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

د. امينة زنون تكتب: سيكولوجية المجتمع المصري ما بين مؤيد ومعارض لنظام الطيبات

بوابة المصريين

في كل مرة تبرز فيها قضية تمس القيم والسلوك العام، ينكشف وجه آخر للمجتمع المصري؛ وجهٌ منقسم بين من يتمسك بصورة مثالية يراها حامية للأخلاق، ومن يرفض هذه الصورة باعتبارها قيدًا على الحرية الفردية. وبين هذين الطرفين، تتشكل حالة من الجدل لا تعكس فقط اختلافًا في الرأي، بل تكشف عن بنية نفسية عميقة تحكم طريقة تفكير المجتمع وتفاعله.

فـ"نظام الطيبات" لم يكن مجرد مصطلح عابر، بل تحوّل إلى رمز لنموذج أخلاقي تسعى فئة من المجتمع إلى ترسيخه، باعتباره معيارًا للسلوك المقبول. هذا التمسك لا يأتي من فراغ، بل يرتبط بحاجة نفسية أصيلة لدى الإنسان، وهي الحاجة إلى الوضوح والثبات في عالم متغير. فحين تتسارع التحولات الاجتماعية، يميل الأفراد إلى التعلق بنماذج جاهزة تمنحهم شعورًا بالأمان والانتماء.

على الجانب الآخر، يظهر تيار رافض لهذا النموذج، لا لأنه ضد القيم، بل لأنه يرى في فرض نموذج واحد نوعًا من الوصاية أو الإقصاء. هذا الرفض يعكس بدوره احتياجًا نفسيًا لا يقل أهمية، وهو الحفاظ على الهوية الفردية والحق في الاختلاف. فالفرد هنا لا يقاوم القيم بقدر ما يقاوم فرضها بشكل قسري أو أحادي.

اللافت في المشهد ليس وجود رأيين، بل حدة الاستقطاب بينهما. فكل طرف لا يكتفي بتبني موقفه، بل يسعى إلى تأكيد صحته من خلال رفض الطرف الآخر. هذه الظاهرة، المعروفة في علم النفس الاجتماعي بالاستقطاب، تجعل الحوار يتحول من تبادل للأفكار إلى ساحة صراع، حيث تتراجع المساحات الرمادية لصالح مواقف أكثر تطرفًا.

كما يظهر بوضوح ما يمكن تسميته بـ"الإسقاط الأخلاقي"، حيث يميل البعض إلى الحكم على الآخرين وفقًا لمعاييرهم الشخصية، دون اعتبار لاختلاف السياقات أو التجارب. وهنا تتحول القيم من كونها إطارًا منظمًا للحياة إلى أداة للفرز والتصنيف.

لكن، إذا نظرنا إلى الصورة الأوسع، سنجد أن هذا الجدل يعكس سمة متجذرة في سيكولوجية المجتمع المصري، وهي البحث الدائم عن "النموذج". فالمجتمع بطبيعته يميل إلى تقديس الصورة المثالية، سواء كانت في الأخلاق أو السلوك أو حتى المظهر الخارجي، ويربط بينها وبين القبول الاجتماعي.

المشكلة لا تكمن في وجود نموذج، بل في تحوّله إلى قالب جامد يُفرض على الجميع. فحين يصبح الاختلاف تهديدًا، لا ثراءً، يفقد المجتمع قدرته على التوازن، ويتحول التنوع إلى مصدر صراع بدلًا من كونه مصدر قوة.

فلا يمكننا اختزال المشهد في صراع بين صواب وخطأ، بل هو تعبير عن معادلة إنسانية معقدة: الحاجة إلى الانتماء في مقابل الحاجة إلى الحرية. والتحدي الحقيقي لا يكمن في انتصار طرف على آخر، بل في قدرة المجتمع على استيعاب الاثنين معًا، دون إقصاء أو وصاية.

فالمجتمعات لا تُقاس بمدى تشابه أفرادها، بل بقدرتها على إدارة اختلافهم.

فلم يكن هذا الجدال مجرد نقاش عابر على مواقع التواصل، بل كان أشبه بمرآة كاشفة… مرآة أظهرت لنا كيف نفكر، وكيف نحكم، وكيف نبحث ربما دون وعي عن نموذج نطمئن إليه ونحتمي به.

تابعتُ هذا الانقسام الحاد بين مؤيد ومعارض لما يُعرف بـ"نظام الطيبات"، ولم أره مجرد اختلاف في الآراء، بل رأيته صراعًا نفسيًا أعمق بكثير. صراع بين رغبتنا في أن ننتمي، ورغبتنا في أن نكون أحرارًا.

جزء من المجتمع بدا وكأنه يتمسك بهذا النموذج الأخلاقي بشدة، وكأنه طوق نجاة في عالم سريع التغير. فحين تختلط المعايير، ويصبح كل شيء قابلاً للنقاش، يظهر الحنين إلى الصورة الواضحة إلى نموذج يقول لنا ببساطة هذا صحيح، وهذا خطأ، هذا التمسك ليس ضعفًا كما قد يظن البعض، بل هو تعبير عن احتياج إنساني أصيل للشعور بالأمان والثبات.

في المقابل، لم يكن الرفض مجرد تمرد أو خروج عن القيم، كما صُوّر أحيانًا، بل كان دفاعًا عن مساحة شخصية يرى أصحابها أنها تُهدد. فالفرد هنا لا يرفض الأخلاق، بل يرفض أن تُفرض عليه في صورة واحدة لا تقبل الاختلاف.

ما لفت انتباهي أكثر من المواقف نفسها، هو الطريقة التي تحوّل بها النقاش إلى حالة من الاستقطاب الحاد. كل طرف بدا وكأنه يزداد تمسكًا برأيه كلما اشتد الجدل، وكأننا لا نتحاور لنفهم، بل لِنُثبت وهنا يظهر بوضوح أحد أهم ملامح سيكولوجية المجتمعات حين نشعر بالتهديد، نتمسك بمواقفنا أكثر، حتى لو فقدت مرونتها.

وفي خضم هذا كله، لاحظتُ شيئًا آخر… ميلًا واضحًا للحكم على الآخرين وفقًا لمعاييرنا الخاصة، وكأن ما نراه صوابًا يجب أن يكون كذلك للجميع هذا "الإسقاط الأخلاقي" لا يجعلنا أكثر التزامًا بالقيم بل أحيانًا يجعلنا أكثر قسوة في تطبيقها.

الحقيقة التي أراها، وربما يختلف معي البعض أن المجتمع المصري بطبيعته يميل إلى البحث عن "نموذج" نحن نحب الصورة المثالية ننجذب إليها ونحاول أحيانًا تعميمها وهذا في حد ذاته ليس خطأ، الخطأ يبدأ حين يتحول النموذج إلى قالب واحد لا يسمح بوجود مساحات مختلفة داخله.
في النهاية، لا أرى أن المسألة صراع بين صح وخطأ، بل بين احتياجين إنسانيين متوازيين: أن ننتمي… وأن نكون أنفسنا.
والتحدي الحقيقي، في رأيي، ليس في أن ينتصر أحدهما على الآخر، بل في أن نتعلم كيف نترك مساحة لكليهما أن يوجدا معًا.

ربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا:
هل نريد مجتمعًا متشابهًا… أم مجتمعًا قادرًا على استيعاب اختلافه؟

مقالات الرأي

آخر الأخبار