السبت، 2 مايو 2026 12:13 مـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

عبير نعيم احمد تكتب: آيه إنجيلية تعمق أداة التغيير لا تضعوا خمراً جديدة في أوعية قديمة

بوابة المصريين

في واحدة من أكثر العبارات الإنجيلية عمقًا وبساطة، ترد الجملة الشهيرة:"لا يضعون خمراً جديدة في زقاق عتيقة."

قد يظن البعض أنها مجرد حكمة مرتبطة بطريقة قديمة لحفظ الخمر داخل جلود الحيوانات، حيث كانت الزقاق الجديدة مرنة وقادرة على التمدد، بينما الجلود القديمة الجافة والمتشققة لا تتحمل التفاعل الداخلي للخمر الجديدة فتتمزق.لكن الحقيقة أن المعنى يتجاوز الخمر والوعاء بكثير؛ إنها رسالة فلسفية وحضارية عن العلاقة بين التغيير والأدوات التي تستقبله.

المشكلة في عالمنا ليست نقص الأفكار الجديدة، بل إصرارنا على إدارتها بعقول قديمة وأدوات انتهى زمنها.

نحن نعيش عصرًا تتغير فيه خرائط القوة، وتتبدل فيه أنماط الاقتصاد والمعرفة والعلاقات الإنسانية بسرعة مذهلة. الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العالم، والإعلام لم يعد كما كان، والتعليم خرج من حدود المدرسة، وحتى مفهوم الدولة ذاته أصبح أمام تحديات غير مسبوقة. ومع ذلك، لا يزال كثيرون يواجهون هذا العصر بعقلية تنتمي إلى قرون مضت.

هناك من يريد إدارة الإعلام الحديث بعقلية المنشور الورقي، وإدارة الاقتصاد الرقمي بعقلية الدفاتر القديمة، وإدارة الإنسان الجديد بمنطق الوصاية والخوف والمنع. والنتيجة دائمًا واحدة: الفشل، ثم الدهشة من حدوثه.

التاريخ نفسه مليء بالمشروعات العظيمة التي سقطت ليس لأن فكرتها سيئة، بل لأن أدوات تنفيذها كانت ميتة.كم من فكرة تنويرية تحولت إلى جهاز بيروقراطي جامد؟وكم من مشروع إصلاحي انتهى إلى نسخة أخرى من التخلف لأنه خاف من تحديث أدواته؟

إن أخطر أنواع الجمود ليس رفض الأفكار الجديدة، بل تقديس الأدوات القديمة. فالبعض لا يدافع عن القيم، بل يدافع عن الوسائل التي اعتادها، حتى لو فقدت صلاحيتها. وهنا يتحول الماضي من خبرة تُلهم المستقبل إلى سجن يمنع الوصول إليه.

الحضارات لا تسقط فقط بسبب الفقر أو المؤامرات أو نقص الموارد، بل حين تفقد القدرة على التكيف. فالعالم لا ينتظر المترددين، والزمن لا يعود إلى الوراء احترامًا لمن يخافون التغيير.

ولعل المأساة الكبرى أن بعض المجتمعات تظن أن التمسك بالشكل القديم نوع من الوفاء، بينما الحقيقة أن الحياة نفسها قائمة على التجدد. حتى الطبيعة لا تكرر نفسها بالطريقة ذاتها، فكيف يصر الإنسان على تجميد الزمن؟

ليس المطلوب هدم الماضي، بل فهمه. وليس المطلوب إلغاء التراث، بل تحريره من الجمود. فالقيمة الحقيقية لأي فكرة لا تظهر فقط في مضمونها، بل في قدرتها على أن تجد لغة العصر وأدواته.

الخمر الجديدة تحتاج دائمًا إلى أوعية جديدة.أما الأوعية التي فقدت مرونتها، فلن تحمي الفكرة… بل ستكسرها معها.

مقالات الرأي

آخر الأخبار