الأربعاء، 17 يونيو 2026 09:01 مـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

د. اميرة مصطفي تكتب : عندما يتحدث الجسد نيابةً عن الدموع: قصتي مع العصب السابع وثمن ”القوة الهشة”

بوابة المصريين


الجسد لا ينسى. والدموع التي نرفض خروجها بوعي لحماية كبريائنا أو لإظهار تماسكنا، لا تختفي؛ بل تجد طريقها دائمًا لتخرج غصبًا عنا على هيئة اعتلال جسدي. هذه ليست مجرد عبارة أدبية، بل هي حقيقة عشتها بملامحي، ودفعت ثمنها من عصب وجهي وصحتي النفسية والجسدية.يناير 2024: بداية الرحلة وصدمة الجسد الأولى بدأت حكايتي في يناير من عام 2024. استيقظت لأجد خذلانًا في تعبيرات وجهي؛ التواء في الفم وصعوبة في إغلاق العين. شُخصت حينها بـ التهاب العصب السابع (شلل بيل الوجهي). تقبلت الأمر وبدأت رحلة العلاج المعتادة من مضادات الالتهاب وجلسات العلاج الطبيعي. كان لدي أمل كبير في التعافي السريع، ومضت الأيام وأنا أحاول جاهدة استعادة السيطرة على ملامحي.مايو 2024: فاجعة الفقد وأقنعة الخذلان لم تكن صدمة المرض سوى مقدمة لعاصفة أكبر. في مايو 2024، عشت الفاجعة الأكبر والأقسى في حياتي مع مرض ووفاة زوجي، شريك رحلتي وسندي. تحولت دنياي إلى اللون الأسود، وفوق وجع الفقد المرير، وجدت نفسي وحيدة في مواجهة أزمة مروعة.لكن الوجع لم يأتِ من الفقد وحده؛ بل جاءت الصدمة الكبرى من أشخاص كنت أظنهم عائلتي، وأصدقائي، وسندي في الحياة. في اللحظة التي كنت أحتاج فيها إلى كتف أبكي عليه، تساقطت الأقنعة. اكتشفت حقيقة القرب والبعد، وأدركت أن هناك من لا يعرفك إلا للمصلحة، وعندما تشتد بك الكسرة، يتبخرون تمامًا.أمام هذا الخذلان المزدوج، اتخذت قرارًا خاطئًا: قررت أن أرتدي قناع "الست القوية". قررت ألا أظهر مكسورة أمام من خذلوني. كتمت غضبي، وحزني، وقهرتي، وحاولت جاهدة إظهار تماسك خارجي صلب، بينما كان داخلي يغلي بصراع بركاني صامت.الانتكاسة الثانية: الجسد يرفض الخديعة لم أكن أعلم أن هذا التماسك المزيف ليس سوى "قوة هشة". بينما كنت أكتم دموعي، كان جهازي العصبي يسجل هذا الضغط النفسي العنيف. الضغط النفسي المكبوت والزعل الشديد يرفعان هرمونات التوتر (مثل الكورتيزول والأدرينالين)، مما يؤدي لتقلص الأوعية الدموية الدقيقة وضعف المناعة، وهو المحفز الأساسي لالتهاب الأعصاب. في نفس العام، صرخ جسدي معلنًا رفضه لهذا التمثيل. فاجأني الجسد بإصابة ثانية بالعصب السابع. كانت تلك الانتكاسة بمثابة رسالة واضحة من جسدي: "كفاية تمثيل.. أنا مش قادر أشيل فوق طاقتي".مايو 2026: المواجهة الثالثة والدرس القاسي استمريت في رحلة العلاج الطويلة، أحاول ترميم ما أفسده الحزن والخذلان. واليوم، في مايو من عام 2026، أجد نفسي للمرة الثالثة في مواجهة نفس الإصابة. ثلاث إصابات في غضون عامين ونصف كانت كفيلة بأن تمنحني درسًا قاسيًا في الحياة، درسًا أكتبه اليوم ليكون رسالة لكل من يقرأني. كتمان المشاعر ومحاولة الظهور بقوة مزيفة ليس شجاعة، بل هو تدمير بطيء وصامت للذات. الحزن والخذلان هما طاقة سلبية ضخمة؛ إن لم تجد لها مخرجًا طبيعيًا عبر البكاء، والفضفضة، والاعتراف بالضعف، فستجبر جسدك على دفع الفاتورة من عصبك، وصحتك، ومناعتك.رسالتي إليكم: لا تظلموا أنفسكم بالصمود المزيف أكتب هذه الكلمات لكل شخص يمر بظروف قاسية، لكل من يتألم من فقد أو يتعافى من صدمة خذلان من القريبين منه:اعترفوا بضعفكم: الضعف الإنساني ليس عيبًا؛ البكاء والصراخ هما صمام أمان يحمي أجسادكم من الانفجار.تخلوا عن الأقنعة: لا تحاولوا إثبات قوتكم لأشخاص لا يستحقون على حساب صحتكم.أنصتوا لأجسادكم: طبطبوا على قلوبكم من الداخل، واسمحوا للمشاعر بالمرور والخروج. القوة الحقيقية لا تكمن في الكتمان، بل في المرونة النفسية التي تمنحنا الحق في الحزن والوجع، حتى نتمكن من النهوض مجددًا بشكل صحيح. لا تظلموا أنفسكم، فصحتكم هي السند الوحيد الباقي لكم بعد الله.

مقالات الرأي

آخر الأخبار