الثلاثاء، 16 يونيو 2026 02:32 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: حزقيال ومعارك الهوية

بوابة المصريين

يمثل حزقيال واحدة من أكثر الشخصيات الدينية غموضًا وإثارة للجدل في التراث الإبراهيمي. فهو ليس مجرد نبي ظهر في لحظة انهيار تاريخي عاشه بنو إسرائيل أثناء السبي البابلي، بل تحول عبر القرون إلى رمز أيديولوجي متعدد الوجوه؛ تتنازعه التأويلات اليهودية والمسيحية والإسلامية، وتُعاد صياغته سياسيًا في العصر الحديث داخل مشاريع الهوية والتحالفات الإقليمية، وصولًا إلى ما يُعرف اليوم بالمشروع “الإبراهيمي” ومحاولات إعادة تشكيل الشرق الأوسط ثقافيًا وسياسيًا تحت لافتة الدين المشترك.

ولد خطاب حزقيال من قلب الكارثة.
لقد عاش زمن سقوط القدس وتدمير الهيكل الأول على يد نبوخذ نصر الثاني، وهي اللحظة التي مثلت صدمة وجودية لليهود. لم يكن السؤال حينها مجرد هزيمة عسكرية، بل سؤالًا عن معنى العهد الإلهي نفسه: كيف يسقط شعب الله المختار؟ وكيف يُهدم الهيكل الذي يمثل مركز الحضور المقدس؟

هنا ظهر حزقيال كنبي للغضب والرؤى العنيفة.
رؤاه مليئة بالنار، والعجلات، والكائنات المجنحة، والدم، والعقاب، والعودة الكبرى. كان يقدم تفسيرًا للهزيمة قائمًا على فكرة الخطيئة الجماعية، وأن خراب المدينة نتيجة انحراف الشعب والكهنة عن الشريعة. ومن هذه النقطة بالتحديد تشكلت صورته الأولى: نبي التطهير القاسي الذي يرى أن النجاة لا تكون إلا بإعادة بناء الهوية الدينية الصلبة.

في اليهودية، يُنظر إلى حزقيال باعتباره نبي إعادة التأسيس بعد الانهيار.
فسفره لا يتوقف عند الخراب، بل ينتقل إلى فكرة “العودة” وإحياء الأمة من الموت، كما في رؤيا “وادي العظام اليابسة” الشهيرة، حيث تتحول العظام المتناثرة إلى شعب حي من جديد. هذه الصورة تحولت مع الزمن إلى واحدة من أكثر النصوص تأثيرًا في الفكر الصهيوني الحديث، إذ جرى توظيفها رمزيًا لتصوير قيام دولة إسرائيل باعتبارها “بعثًا قوميًّا” لشعب عاد من الشتات إلى الأرض.

أما في المسيحية، فقد اكتسب حزقيال بُعدًا رمزيًا مختلفًا.
فالعديد من اللاهوتيين المسيحيين رأوا في رؤاه إشارات مسبقة للمسيح والخلاص والقيامة. العظام اليابسة أصبحت رمزًا للبعث الروحي، والهيكل الجديد صار رمزًا للكنيسة أو الملكوت الإلهي. وهكذا انتقل حزقيال من نبي قومي مرتبط بمصير بني إسرائيل إلى شخصية ذات معنى كوني تتحدث عن خلاص البشرية.

في الإسلام، لا يحتل حزقيال المكانة المركزية نفسها التي يحتلها في اليهودية والمسيحية، بل إن اسمه لا يرد صراحة في القرآن الكريم.
لكن بعض المفسرين والمؤرخين المسلمين ربطوه بشخصية “ذو الكفل”، بينما تعامل التراث الإسلامي عمومًا مع قصته ضمن إطار أنبياء بني إسرائيل الذين دعوا إلى التوحيد وحذروا من الفساد. ومع ذلك، بقيت صورته أقل حضورًا وتأثيرًا مقارنة بموسى أو إبراهيم أو عيسى عليهم السلام.

غير أن التحول الأخطر في شخصية حزقيال لم يحدث في النصوص الدينية القديمة، بل في السياسة الحديثة.

فمع صعود فكرة “الديانات الإبراهيمية” في العقود الأخيرة، جرى استدعاء شخصيات العهد القديم – ومن ضمنها حزقيال – داخل خطاب جديد يسعى إلى بناء سردية مشتركة بين اليهودية والمسيحية والإسلام.
هذا الخطاب يطرح فكرة أن الصراع في الشرق الأوسط ليس صراعًا على الأرض والسلطة والتاريخ، بل مجرد سوء فهم بين أبناء عائلة روحية واحدة تعود إلى إبراهيم.

ومن هنا بدأ الاستخدام السياسي للنصوص الدينية.

ففي المشروع الإبراهيمي المعاصر، لا يتم تقديم حزقيال كنبي للعقاب والدمار، بل كنبي “العودة وإعادة البناء”، وهي صياغة تسمح بإعادة تفسير التاريخ اليهودي بطريقة تفتح الباب أمام قبول سياسي وثقافي لإسرائيل داخل المنطقة العربية.
لقد أصبحت مفردات مثل “السلام الإبراهيمي”، و”التعايش الديني”، و”وحدة التراث الروحي” أدوات خطابية تُستخدم لتخفيف مركزية القضية الفلسطينية في الوعي العربي، عبر نقل النقاش من سياق الاحتلال والسيادة إلى سياق الحوار الديني والتاريخ المشترك.

وهنا يظهر البعد الأيديولوجي بوضوح.

فالتطبيع في صورته الجديدة لا يُقدَّم فقط باعتباره اتفاقًا سياسيًا بين دول، بل باعتباره “مصالحة حضارية” بين أبناء إبراهيم. وفي هذا السياق، تُعاد قراءة شخصيات مثل حزقيال داخل مشروع ثقافي أوسع يسعى إلى إعادة تشكيل الهوية السياسية للمنطقة.

لكن منتقدي هذا المشروع يرون أن المشكلة لا تكمن في الحوار بين الأديان بحد ذاته، بل في توظيف الدين لتجاوز الوقائع السياسية.
فحين تتحول النبوءات والأساطير المؤسسة إلى أدوات لإعادة هندسة الوعي الجمعي، يصبح الدين جزءًا من الصراع الجيوسياسي، لا مجرد مساحة روحية.

ولهذا تبقى شخصية حزقيال مرآة معقدة للتاريخ والدين والسياسة معًا.
إنه النبي الذي خرج من تحت أنقاض مدينة مدمرة، ثم عاد بعد آلاف السنين ليظهر مجددًا داخل معارك الهوية والتحالفات الحديثة. وبين رؤاه القديمة عن الخراب والبعث، وبين الخطابات المعاصرة عن “السلام الإبراهيمي”، تستمر الأسئلة نفسها:
هل تُستخدم النبوءات لفهم التاريخ؟
أم يُعاد تشكيل التاريخ ليتوافق مع النبوءات؟

مقالات الرأي

آخر الأخبار