حنان صابر تكتب : أنا.. أنتِ.. وثوب الرجال


كنتُ في بيت أبي الابنة المدللة، الصغيرة التي تحظى بمكانة خاصة في القلب، ربما لأنني كنت الأضعف بين إخوتي، أو لأنني أنثى، أو لأن عائلتنا كانت ترى في البنات رحمةً وبركة تستحقان كل الحب والاحتواء. كنتُ ابنة أبي بحق؛ لم يحملني يومًا فوق طاقتي، ولم يتركني أواجه الحياة وحدي، بل كنتُ دائمًا أميرته التي تعيش في قصر من الأمان، تصل إليها احتياجاتها قبل أن تنطق بها، وتجد السند قبل أن تطلبه.
ورغم بساطة الحياة وقلة الإمكانيات، نشأتُ قوية، أعرف معنى المسؤولية، وأدرك كيف أتحمل الأعباء حين تستدعي الظروف ذلك. لكن القوة التي تعلمتها في بيت أبي لم تكن يومًا بديلًا عن الأمان، ولم تكن تعني أنني خُلقت لأحمل العالم وحدي.
ثم انقضى ذلك العهد الذهبي، وجاء عهد جديد، انتقلت فيه إلى كنف رجل آخر، كنت أظن أنني سأجد لديه ما وجدته من طمأنينة وسند واحتواء، فإذا بي أكتشف أن الحياة يمكن أن تضع المرأة في مواجهة نفسها، وأن تجعلها تؤدي أدوارًا لم تخترها، وتتحمل أعباءً لم تكن يومًا من نصيبها وحدها.
وجدتُ نفسي مسؤولة عن كل شيء؛ عن البيت، وعن التفاصيل، وعن المشاعر، وحتى عن حماية قلبي من الانكسار. وجدتُ نفسي أحتوي الجميع، بينما لا أجد من يحتوي ضعفي، وأسند الجميع، بينما أفتقد الكتف الذي أتكئ عليه. أصبحتُ أؤدي واجباتي كاملة، دون أن ألتفت، أو يلتفت أحد، إلى أن للمرأة حقوقًا كما عليها واجبات، وأن للقلب طاقة مهما ادعى الصلابة.
ومرت السنوات، عامًا بعد عام، حتى تلبسني "ثوب الرجال". لم أعد أبحث عن السند، بل أصبحت أنا السند، ولم أعد أطلب الأمان، بل صرت أنا مصدره للآخرين. تعلمت أن أخفي خوفي، وأن أبتلع حزني، وأن أواصل الطريق مهما أثقلتني الخطوات. أصبحتُ أقوم بأدوار لم أكن أتخيل يومًا أنني سأحملها، لا لأنني رغبت في ذلك، بل لأن الظروف دفعتني إليه.
ويبقى السؤال الذي يؤرقني دائمًا: من الذي ألبس المرأة ثوب الرجال؟ هل هو القدر؟ أم الظروف القاسية؟ أم سوء الاختيار؟ أم أن المجتمع اعتاد أن يمنحها من الأعباء أكثر مما يمنحها من الحقوق؟ أم أنها، في نهاية الأمر، كانت الأجدر والأقدر على حمل هذا الثوب، بينما تخلى عنه من كان يجب أن يكون لها السند، والظهر، وزينة الرجال؟
وربما تكون الحقيقة المؤلمة أن المرأة لا تختار أن ترتدي ثوب الرجال، لكنها ترتديه حين لا تجد رجلًا يمنحها الأمان الذي تستحقه، وحين تكتشف أن الحياة لا تنتظر ضعفها، وأن عليها أن تقاتل، وأن تصمد، وأن تواصل السير، حتى وإن كانت في داخلها لا تزال تلك الطفلة الصغيرة التي كانت يومًا أميرةً في بيت أبيها.
























