الثلاثاء، 7 يوليو 2026 04:35 صـ
بوابة المصريين

رئيس الحزب النائب المستشار/ حسين أبو العطا

مقالات الرأي

هشام بيومي يكتب: النبي دانيال والتوظيف الصهيوني: تأصيل ديني لمشروع الاستيطان

بوابة المصريين

يُعدّ النبي دانيال، كما تذكره التوراة، شخصية مركزية في الفكر الديني اليهودي، ويمثل كتابه أحد النصوص الرؤيوية الأكثر تأثيراً في التراث اليهودي والمسيحي على حد سواء. غير أن هذه الشخصية تجاوزت حدود الدائرة الدينية الضيقة، لتصبح أداة سياسية بامتياز في الخطاب الصهيوني المعاصر. ففي سياق الصراع على أرض فلسطين، لم يعد النبي دانيال مجرد نبي من أنبياء التلمود، بل تحول إلى رمز تُسقط عليه النزعات السياسية رؤاها التوسعية، وتُوظّف نصوصه لتبرير مشروع الاستيطان وتهجير الشعب الفلسطيني. سوف أسعى إلى تفكيك هذا التوظيف السياسي، وكشف الآليات التي جعلت من نص ديني، يفترض أنه رسالة روحانية، ذريعة لتكريس الاحتلال.

إعادة اختراع التقليد: من نص ديني إلى رؤية سياسية

تكمن القضية الجوهرية في كيفية قراءة النص الديني وتأويله. يلاحظ الباحث غيلاد شينهاف في مشروعه البحثي حول "ما وراء الكتاب المقدس: الصهيونية، التلمود، وإشكالية التاريخ"، أن المثقفين اليهود في مطلع القرن العشرين أعادوا دمج الحكايات والنقاشات التلمودية في رواياتهم السياسية، وأن هذا التوظيف السياسي للنصوص الدينية غالباً ما يُغفل في الدراسات الأكاديمية التي تركز على القراءات الصهيونية للكتاب المقدس. وهذا يعني أن توظيف نبوءات دانيال لم يكن مجرد قراءة بريئة، بل كان مشروعاً واعياً لإضفاء الشرعية الدينية على أهداف سياسية علمانية.

ففي الثقافة الصهيونية، كما توضح الدراسات، حدثت إعادة ترتيب للأولوية بين أسفار الكتاب المقدس. فبدلاً من التركيز على التوراة (أسفار موسى) وقوانينها التي كانت مركز اليهودية الربانية، تم التركيز على الأسفار التاريخية، وخصوصاً سفر يشوع والقضاة، اللذين يرويان قصة الغزو والاستيطان في أرض كنعان. هذا التحول جعل من النصوص التي تتحدث عن الفتح العسكري نصوصاً أساسية في المناهج الدراسية والخطاب السياسي في فلسطين الانتدابية ثم إسرائيل. وهنا يأتي دور سفر دانيال، بنبوءاته عن الممالك الأربع التي ترمز إلى الإمبراطوريات المتعاقبة، حيث يتم تفسيرها في إطار صراع الحضارات، واعتبار الحركة الصهيونية امتداداً لمشروع إلهي يقهر الممالك الوثنية.

التوظيف السياسي الحديث: حلم دانيال بين الوعد والاحتلال

في سياق التوظيف السياسي المعاصر، نجد أن كتاب النبي دانيال قد أصبح مرجعاً أساسياً في أدبيات التيارات الصهيونية المسيحية واليهودية المتطرفة، التي تربط بين قيام دولة إسرائيل عام 1948 ونبوءات العودة من السبي. هذه الرؤية تُعرّض نفسها لانتقاد لاهوتي عميق؛ إذ يرى باحثون مثل مايكل هورتون من مدرسة وستمنستر اللاهوتية أن نبوءات دانيال وحزقيال عن استعادة إسرائيل قد تحققت فعلياً في العصر الفارسي، مع عودة نحميا وعزرا، وأن محاولة ربطها بالعام 1948 هي قراءة مغلوطة للنص تتجاهل السياق التاريخي والتفسير المسيحي التقليدي الذي يرى أن نبوءات الخلاص قد تحققت في المسيح. بل يذهب هورتون إلى القول إن "رجس الخراب" الذي تكلم عنه دانيال قد تحقق تاريخياً عام 70 ميلادية مع تدمير الرومان للهيكل، وليس في المستقبل كما تزعم النزعات الصهيونية.

على الجانب الآخر، ومع الاعتراف بنقد هذه القراءات التبشيرية، نجد أن هناك خطاباً فلسطينياً مضاداً يستخدم نفس النص الديني لنفي الشرعية عن المشروع الصهيوني. ففي إحدى المنشورات التي تستشهد بتعاليم الباحث الإسلامي سفر بن عبد الرحمن الحوالي، يُقدم تأويل مغاير لسفر دانيال الأصحاح السابع، حيث يتم تفسير "القرن الصغير" (الذي يرمز عادةً إلى قوة طاغية) على أنه دولة إسرائيل المعاصرة، التي اقتلعت ثلاثة قرون (في إشارة إلى حرب 1967)، وأن هذا الكيان هو "رجس الخراب" الذي سيزول. يربط هذا الخطاب بين نبوءات دانيال ورؤيا يوحنا، ويصور الفلسطينيين كجيش ينطلق من "الهاوية" لإنهاء هذا الاحتلال. وهنا نرى صراعاً بين تأويلين متناقضين يستندان إلى نفس النص، مما يكشف أن المسألة ليست في النص ذاته، بل في الإرادة السياسية التي تقرأه وتؤولّه.

الاستيطان الدلالي: من الترجمة إلى تغيير الهوية

أكثر ما يميز التوظيف الصهيوني للنبي دانيال والتوراة بشكل عام، هو مشروع التغيير الدلالي والجغرافي. إن إعادة تسمية المواقع الجغرافية في فلسطين بأسمائها التوراتية لم تكن مجرد عمل أكاديمي، بل كانت استيطاناً رمزياً موازياً للاستيطان المادي. فاستبدال الأسماء العربية بأسماء عبرية مستمدة من نصوص مثل سفر دانيال هو محاولة لطمس الهوية الفلسطينية وتثبيت رواية تاريخية حصرية تقدم الوجود اليهودي كوجود أصلي وحيد، والوجود الفلسطيني كعارض دخيل. وهنا يصبح النبي دانيال أداة في معركة الهوية، حيث يُوظف اسمه وتواريخه لتأكيد "أسبقية" الوجود اليهودي، وكأن النص الديني يعلو على حقيقة الشعب الذي عاش على الأرض لقرون.

هذا التوظيف للنصوص المقدسة، كما تشير الدراسات الأكاديمية، كان نتاجاً للصهيونية العلمانية التي سعت إلى بناء "ماضٍ عبري قابل للاستخدام"، ونبذ ما اعتبرته ضعف المنفى وهيمنة التلمود. تم اختيار نصوص "تاريخية" مثل أسفار الأنبياء لتعكس قوة وشجاعة اليهودي الجديد، مقابل التركيز على الشريعة (الهالاخاه) التي كانت تمثل روح المنفى. وهكذا، فإن النبي دانيال لم يُقرأ كمعلم أخلاقي، بل قُرئ كاستراتيجي سياسي، ونُظر إلى نبوءاته على أنها خارطة طريق للسيطرة على الأرض، متجاهلةً تعقيدات النص وإشاراته الرمزية التي فسرها آباء الكنيسة واليهود على مر العصور بأنها تشير إلى أحداث قد مضت أو إلى خلاص روحاني وليس سياسي.

إن قصة النبي دانيال والتوظيف الصهيوني لها ليست قصة تفسير ديني بقدر ما هي قصة صراع على السلطة والأرض. تم تحويل هذا النبي من شخصية دينية إلى أيقونة سياسية تخدم مشروعاً استيطانياً يهدف إلى تهجير الفلسطينيين والاستيلاء على ديارهم. يستند هذا المشروع إلى قراءة انتقائية للنص، تتجاهل السياق التاريخي، وتحتفي بالعنف التوراتي، وتهمش الروايات الأخرى. ورغم الجدل الأكاديمي واللاهوتي حول مغالطة هذه القراءة، يبقى الأثر السياسي لها حاضراً وملموساً على الأرض. والمطالبة بتحرير النص الديني من هيمنة الخطاب السياسي، وقراءته في سياقه الإنساني والروحي الواسع، هي جزء لا يتجزأ من نضال الشعب الفلسطيني لاستعادة أرضه وهويته. فالمواجهة مع الاحتلال لا تقتصر على الأرض المادية فقط، بل تمتد إلى أرض المعاني والرموز، حيث يبقى النبي دانيال أسيراً في معركة التفسير بين من يريدون الاستيطان ومن يريدون التحرير.

مقالات الرأي

آخر الأخبار